أحمد الدرداري
تسترجع افريقيا عافيتها ومكانتها من تاريخها وقدرات التحول لديها، ذلك أن الفترات الاستعمارية قوضت حركتها وحريتها وعلقت إمكانية التعاون بينها، لتبقى اليوم شخصيتها الدولية وسيادتها أساس وجودها، ويبقى عزمها وقدرتها على النهوض إرادة منفردة وحرة، لكون الدول الاوربية لم تعد قادرة على الاستعمار من جديد بسبب القوانين الدولية والسوابق التاريخية لديها وأيضا شيخوختها (القارة العجوز)، بالإضافة إلى مطالب الشعوب الافريقية المعقدة والكثيرة في مواجهتها، ولاسيما الاستغلال الفاحش لثرواتها، واستعباد الانسان الافريقي عبر التاريخ، وحرمانه من الحرية والمساواة والكرامة، مما سيجعل من تكرار أية إهانة تفجر نتائج عكسية ولاسيما في الدول التي رفعت شعار الحرية والغير قادرة على التفاوض أو الرافضة له والتي يصعب معها التحكم في النتائج .... .
وأمام الفراغ التنموي الذي تعرفه الساحة الافريقية وبزوغ مخرج للتعاون جنوب - جنوب بسبب رفض دول الشمال التساوي معها، جاءت مبادرة المملكة المغربية التي تزعمت تجربة جديدة افريقية - افريقية، مما يفسر وعي وقدرات المغرب علىإعمال وإنجاح التحول وهذا ما يجد سنده في تصدير دستور 2011 حيث يلتزم المغرب بتقوية التعاون جنوب – جنوب من بين أهدافه.
لماذا المبادرة مغربية ؟
موضوعيا :بفضل عراقة النظام الملكي الذي أصبح اليوم من الدول المدخرة للطاقة السياسية والاقتصادية والروحية والمالية والثقافية ... والمحصنة دستوريا، وبفضل انفتاحه على المحيط الولي والقاري والمتعهد بشأنه في تصدير الدستور والاتفاقيات الدولية، مما يدل على تجاوزه المخاوف والتهديدات المختلفة، ودخوله عهد الانتاج والتسويق الدولي المتنوع... وكل هذا مرتبط بعوامل أخرى ذاتية.
ذاتيا :بنيويا مؤسساتيا، حيث بلغت المملكة المغربية مرحلة استكملت فيها البناء المؤسساتي وطنيا، واستوفت البنية الادارية والسياسية والقضائية والمدنية والاجتماعية والأمنية والمالية والمدنية والدينية...الخ، مما يسمح بالقول أن أعمدة الدولة الأساسية والقوية متوفرة( حكومة برلمان قضاء أمن أحزاب جمعيات منظمات نقابات وهيئات حكامة.....الج )، مما يدل على حصر وتفير المجالات الوطنية على المؤسسات الضرورية. وبنيويا قانونيا، حيث يتوفر المغرب على ترسانة قانونية مكونة من بالاتفاقيات الدولية المتنوعة التي التزم بها والتي تروم توجهه سياسيا واقتصاديا
واجتماعيا وثقافيا وحقوقيا وبيئيا...الخ، وأيضا دستور 2011 الذي استجاب لمختلف المطالب الشعبية التي رفعت بشأنها شعارات، وأيضا سقف الاصلاح الذي رفعه هذا الدستور، مما يميز العهد الجديد بإضفاء مبدأ دولة الدستور على النظام السياسي، ووجود قوانين مكملة لكل مجالات الحياة منها القوانين التنظيمية والقوانين العادية بالرغم من أن بعضها مايزال في طور الانجاز بسبب عوال زمنية وسياسية .
وظيفيا: بالنظر إلى الوظائف التي تقوم بها الدولة من خلال بنيتها السالفة الذكر، فإن نتائج الأداء السياسي والإداري والأمني والديني والثقافي والمدني والديبلوماسي رفع من مكانة الدولة و حسن من سمعتها، حيث ارتكنت الدولة مع هذا التحول في بداية العشرية الثانية من هذا القرن إلى التأكيد على دولة القانون والمؤسسات، وهو ما أعاد إلى النسق السياسي الثقة والعافية والاستقرار التلقائي، كما أن مقامات الملك النوعية من مقومات النجاح.
مكانة الملك المتعددة المقامات:
مقام الملك الشخص:أي المواطن والإنسان ما فوق المألوف والخصال التي يتمتع بها جلالة الملك باعتباره إنسان بمشاعر وأحاسيس غير مدركة كلها بالعقل وتجعل النظرة إليه تثير الدهشة وتقوي المحبة التي تسبق الإدراكعند أي كان، حيث الإنسان الافريقي استقبل جلالة الملك بنفس الحماسة ونفس الفرحة التي يستقبلونه بها المواطنين.
مقام الملك الرمز: اي الملك العرش حيث لا يمكن فصل الرمزين عن بعضهما، ومعلوم ما ينطوي عليه الملك الرمز من دلالات تؤثر على العارفين والمدركين والمقربين لعمق هذه الدلالات وتتخذ بفضلها المعارف والأعمال طريقها من حوله بنظام ودون زيغ نظرا لحضور قوة سموق الرمزية لديه والعرش من ورائه.
مقام الملك الروح: باعتبار أمير المؤمنين (الفصل 41 من الدستور) حيث البعد الروحي لجلالته يقوي من فهم الباطن بالنسبة للمنتمين لإمارته المتعددة الروافد والمتنوعة الفروع والسنن حيث الامتداد الروحي الزاوياتيالمجيشيتسع ويتغلغل في أدغال افريقيا بشيوخ ومريدين وفق نظام خلياتي ضامن آمن ومترابط روحيا، ومتضامنة ماديا،لكونالانسان الافريقي وجد في ذلك الخلاص من الضيق والفقر والفراغ الروحي، في مقابل القدرة على بناء عزة الذات واستقامة الروح والقيم والاخلاق والتواصل العمودي والافقي، فأضحت
المملكة امبراطورية روحية معاصرة لكل التحديات ومصدر الفتوى والتربية الدينية دوليا تضاهي الامتداد الشيعي المسيس، مما يجعل من جلالة الملك الروح والقدوة الايمانية والتعبدية وهو ما قوى مكانته بين الشعوبالافريقية في الزيارة الأخيرة، وحظي باحترام الدول الغربية أيضا، بالإضافة إلى الدين السلوكي الظاهري، حيث التجربة المغربية المالكية المذهب أصبحت تنتشر وعليها إقبال لأنها تتعايش مع الأنظمة السياسية المتمدنة ولا تتعارض معها، وتكوين عشرة آلاف إمام في دولة مالي يمثل طاقة لاستقرار الدولة واعتدالها وإبعادها عن أي تعصب ديني.
الملك النظام: باعتباره رئيس الدولة ( الفصل 42 من الدستور) ومنه مكوناتها حكومة وبرلمانا وأمنا ودينا وشعبا ومؤسسات بتجلياتها السياسية والاقتصادية والتنموية والثقافية والأمنية ..الخ، وهي السمة الغالبة على موضوع التعاون جنوب-جنوب حيث الشعوب الافريقية متعطشة للتنمية وللحرية والاندماج الاقتصادي، بالإضافة إلى التعاون في المجالات الاخرى الأمنية والديبلوماسية والثقافية ...الخ.
نسقيا: يبدو النسق السياسي المغربي وبعد استكمال بنيته وأداء وظائفه بما هو مقبول، جعله يتوخى الدعم الخارجي لتقوية قدراته ومواجهة الخصاص لتنشيطه أكثر، حيث قدرات البيئة الداخلية لم تعد كافية، كما أن نمو التأثير المغربي في البيئة الخارجية لهذا النسق لا يمكن إبقاؤه دون تقوية التفاعل الإيجابي معه، ذلك أن الانتاج والاستهلاك والعرض والطلب بين مختلف النظم في بيئتي كل نسق(الداخلية والخارجية)، يتوقف على القدرات وعلى تجميع المطالب وتمويلها لتتحول إلى قرارات وأعمال، وهذا طبعا يقود إلى تحويل الجهود نحو توسيع البيئة الخارجية بحكم اتساع النسق الداخلي للنظام السياسي المغربي وحاجياته المختلفة.
المغرب ودول جنوب – جنوب بين الشراكات والتعاون:
تعرف دول افريقيا مستوى متدني من الاستهلاك مقابل إنتاج مرتفع عكس دول الشمال التي تعرف ارتفاعا في الاستهلاك وتدني في الانتاج وهذا يؤشر على إمكانية تحسين الاستهلاك في مقابل الانتاج بالقارة السمراء، ويجعل من الأسواق الافريقية البينية نهضة
جديدة نحو اقتصاد افريقي دولي، وهو ما يتوقف على قوة الشراكات بين الدول الافريقية ويقظة الشعوب لتحويل مستقبل القارة إلى الأفضل، والتركيز على الصناعات المتطورة.
وتقتضي أيضا بالموازات مع الشراكات الاقتصادية إعمال التعاون الأمني لمواجهة كل المخاطر، والتعاون السياسي القائم على احترام القارة الافريقية لقراراتها، والخروج من دوامات العنف التي خربت حياة شعوب عدد من دول افريقيا بسبب تدخل بعض الأطراف في الشؤون الداخلية للدول، ذلك أن زمن الاستعمار قد ولى وزمن الحرية لشعوب افريقيا قد تجلى، والفرصة قوية بيدها لتنهض بأوضاعها بينيا، والمبادرة المغربية هي مقدمة ومفتاح لمسلسل من أشكال التعاون في مختلف المجالات رغبة في تقوية الروابط والعلاقات المتعددة الأبعاد.
التعاون ومقابلاته:
التعاون والحد من الهجرة: تحول المغرب بسبب الهجرة الافريقية والعربية الى دولة مستقبلة للهجرة، وهذا أدخل المغرب إلى مصاف الدول التي تعاني توافد المهاجرين، مما يتطلب الاستفادة من الدعم الدولي لمساعدة المهاجرين، وأيضا العمل بالتعاون مع الدول المصدرة للهجرة للبحث عن حلول تنموية محليا ومواجهة الأسباب الدافعة لها، وهذا تحول بوجهين في حياة المغرب، حيث الامكانيات المادية والقانونية ضرورية للتعاطي مع هذا النوع من الظواهر.
التعاون والحد من التطرف: بحكم موقع المغرب من افريقيا واروبا التي تفرض عليه لعب دور الراعي للأمن الدولي وبفضل كفاءة وجدارة مختبراته الأمنية يتطلب الزمن المتسارع تظافر الجهود بين مختلف الدول لمواجهة الخطر الافتراضي المتنوع،ونقل المدرسة الأمنية المغربية للدول المتعاونة، وتمتين علاقات التعاون في المجال الأمني نظرا لقيمة الأمن في حياة كل فرد وكل نظام وكل مجتمع، وأيضا مخلفات اللاأمن على ارواح وممتلكات ومعتقدات وحريات المواطنين .
التعاون والحد من الجريمة: نظرا لتطور الأفعال الجرمية وما تلحقه من أثر سلبي على الاقتصاد والمجتمع والأموال وتخطي الفعل الجرمي للحدود الترابية للدول، فإن هذا المجال يتطلب أيضا العلم والتقنيات لبلوغ المصدر الجرمي وفي المقابل تحصين النظم والبنيات من كل خرق أو إتلاف أو تشويش أو تزوير...الخ.
التعاون والحد من التدخل في الشؤون الداخلية للدول: إن المساس بالوحدة الترابية لأية دولة من شأنه إنهاء وتعليق جميع أشكال التعاون، بل يعطي نتائج عكسية وعلاقات متوترة تعلق كل الإيجابيات وتقوي السلبيات، قد تصل إلى المواجهات كما حدث في كثير من دول افريقيا إلى عهد قريب، وهذا يتطلب من البنية السياسية لكل دولة رفع اليد عن الشعوب ووحدة ترابها والاحتكام للعقل والقانون بعيدا عن الاحاسيس الوطنية أو الايديولوجيات المزيفة للواقع.
وتبقى الزيارة الملكية لدول افريقيا جنوب الصحراء بادرة لميلاد عهد جديد يستبشر به المغرب وافريقيا حكومات وشعوبا تحولا نوعيا وقيمة تاريخية مفعمة بالأمل في الاستقرار والحرية والنماء لشعوب ظلت تعاني لقرون واستغلت دون كرامة، وكانت طاقتها البشرية توظف بشكل سيئ ولا تتماشى مع والقوانين الاعراف الدولية، حيث أكد جلالة الملك في دولة الكوديفوار على قيمة وضرورة الحرية والكرامة لدول افريقيا، وهذا منطلق ومنتهى الزيارة الملكية حيث التركيز على استكمال وجود الانسان الافريقي ضروري لأي تطور مستحق.
