قـ.ـتلوه بالبوطا.. جنازة حزينة في وداع الشاب محمد ضـ.ـحـ.ـيـة صـ.ـراع بين الجيران بطنجة

استعدادا لعيد الأضحى.. بداية عمليات الإنتقاء والوشم للماشية سلالة تمحضيت بإقليم ميدلت

وصول منتخب نيجيريا لمدينة فاس بعد الفوز على الجزائر

فضيحة..لاعبو الجزائر يهاجمون حكم المباراة والأمن المغربي يتدخل

أخنوش: نشتغل على جعل الإنسان في قلب كل الرهانات

الأحرار: فخورون بحصيلة الحكومة ونراهن على ولاية ثانية.. رسالة قوية للأسود بعد ملحمة كان المغرب

العمل السياسي شفَّاف ..وكشَّاف !؟

العمل السياسي شفَّاف ..وكشَّاف !؟

محمد أقديم

 

             العمل السياسي كَشَّاف وشفَّاف، و يكاد المشتغلون به يظهرون عراة، لذلك يبدو لنا السياسيون، أكثر من غيرهم، و كأنهم أسوء البشر أخلاقا، و أقبح الناس سلوكا، و أقلهم حياء، و ليس ذلك لأن سلوك غيرهم من المشتغلين بالثقافة و الفكر و الدين و التربية و التعليم و الصحافة  و الاقتصاد و المجتمع أقلُّ سُوء و قُبْحا من سلوك السياسيين. و إنما لأن هؤلاء المشتغلين بغير السياسة لا و لم ينخرطوا بعد في العمل السياسي، أو لا يريدون ذلك، إما لأنهم يعرفون أن العمل السياسي، الذي بطبعه كاشف و فاضح،  سيكشف حقيقتهم و يفجّر تناقضاتهم، و يفضح حقيقتهم، و بالتالي فهم غير قادرين على هذه المغامرة ، فيتذرعون بالعديد من المبرّرات .

        في كل مجالات الحياة يستطيع الشخص أن يغطي عن عيوبه و يَتَسَتَّرَ عن نواقصه، و يستطيع أن يدَّعي الطهرانية و الاستقامة دون أن يتمكَّن الناس من إدراك حقيقته، التي من المحتمل أن تكون مخالفة لما يدَّعيه من استقامة و صلاح لمدَّة طويلة، و ربّما قد لا تُعرفُ حقيقته بالمرّة  و لكن في العمل السياسي عموما، وفي موقع صناعة القرار فيه خاصة، ستُكشَفُ حقيقته، ويُرْفَعُ عنها الغطاء منذ الوهلة الأولى من انخراطه  فيه. و يبقى العمل السياسي، وخاصة دائرة التدبير ومركز صناعة القرار فيه، هو المجال الذي تتوفر فيه كل الشروط المواتية لتفجير التناقضات الكامنة في شخصية كل إنسان لتكون مكشوفة أمام الجميع، و مُعْلَنَةَ على رؤوس الأشهاد، في حين تسمح مجالات الحياة الأخرى بالتستُّر على هذه التناقضات و إخفاءها جزئيا أو كليا.

         فالتموقع في المعارضة، و الاشتغال  بالمجالات الأخرى في الحياة ذات العلاقة بالقضايا الأكثر ثباتا و الأقل حركية،  يجعل هامش الأخطاء و الهفوات و العثرات فيها شاسعا و واسعا، وفرص تصحيحها كبيرة ، و كونها مجالات قطاعية و فئوية، إذ غالبا ما تكون مرتبطة بفئات اجتماعية معينة و محدودة، يجعلها لا تثير إلا أنظار الفئات المعنية بها، على عكس العمل السياسي و موقع صناعة القرار، الذي هو ملتقى السياسات العمومية و مجمع السياسات القطاعية، حيث هامش الخطأ والمناورة ضيق و فرص تصحيحه نادرة، وكل هفوة أو زلَّة فيه تثير أنظار الجميع، و خاصة وسائل الإعلام ،التي تضع صانعي القرار السياسي، أكثر من غيرهم، تحت مجهر متابعة و مراقبة الجميع.

          و إذا كان المُشْتَغلُ بالسياسة عموما، و صانع القرار السياسي على وجه الخصوص، مُطَالَبَا  بتنزيل المبادئ و النظريات و ترجمة الأقوال و المخططات إلى ممارسات فردية و سلوكات و جماعية و تحويلها إلى سياسات عمومية، على شكل قوانين وإجراءات تدبيرية ملموسة و إنجازات ميدانية، و إذا كان هذا التنزيل و الترجمة و التحويل هو أصعب معادلة و أقسى امتحان و أشق اختبار في حياة كل فرد أو جماعة أو تنظيم أو دولة، حيث تُصطدم المبادئ و الطموحات والنظريات و المخططات في الواقع بالعوائق و العراقيل  و الإكراهات، فإن  المشتغلون في المجالات الأخرى - غير السياسة و مركز صناعة القرار- لازالوا يقبعون في موقع - أو على الأقل في مرحلة- التصريح بالنوايا الحسنة، و صياغة المبادئ العامة، و التعبير عن الأفكار الجميلة بالأقوال الرنانة، و الإعلان عن النظريات الحالمة، و ينتظرون من السياسيين و صانعي القرار السياسي ترجمتها إلى ممارسات و سلوكات و سياسات، بل و يُطالبونَهُمْ بذلك ، و يلحُّون في مطلبهم ، و ينتقدونهم ، و يحتجُّون عليهم ، و لم و لن يكلّفوا أنفسهم بعد عناء المرور الى مجال الممارسة السياسية لتنزيل و لو جزءَ يسيرا من نظرياتهم ، و تطبيق و لو قليلا من أقوالهم ، و ترجمة شيء من نواياهم.

        إن طبيعة العمل السياسي باعتباره ممارسة جماعية فعلية و عمل ميداني في مجال متغير، يفرض على صانع القرار اتخاذ إجراءات مستعجلة، مما يُحَتّمُ عليه ارتكاب الكثير من الأخطاء. و لكون السياسة اشتغال على المصالح المتغيرة، حيث تختلف التقديرات و تتعدد الاجتهادات، مما يجلب الكثير الاختلافات و  التناقضات،مما يتطلب من المشتغل بالسياسة الكثير من المرونة و الليونة، و يجعل السياسي يرتكب العديد من الهفوات، و تعتري عمله الكثير من النواقص. ثم إن المشتغل بالسياسة باعتبارها عملا جماعيا مرتبطا بالمصلحة العامة، يجعل كل الأنظار متجهة إليه، أكثر من غيره من المشتغلين في مجالات الحياة الأخرى، و يضع السياسيين تحت مجهر الإعلام، و باعتبار السياسة شأنا عاما و مجالا للتدافع و الصراع و المواجهات المستمرة و المؤامرات الدائمة بين مختلف القوى الاجتماعية و السياسية، التي تدافع عن مصالحها، فهذا يزيد من حجم المعلومات المُرَوَّجَة حول المشتغلين بها ومن الإشاعات المتداولة عنهم تهويلا و تهوينا  أكثر من غيرهم، و مما يعطي في النهاية  الانطباع بكون السياسيين و المشتغلين بالسياسة شياطين آدميين، و غير المشتغلين بالسياسة ملائكة منزَّهين.

 

و خلاصة القول: " لي قال العصيدة باردة يدير يدو فيها"


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة