محمّد لعبيدي
الخــــــلاف في الــــرأي سمـــة العــقول الناضجــة، ودليل لثــراء وخصوبة وفهـــم القضــايا المطروحــة لتنــاول.
نحـــسن الاستفــادة منه واستثماره حينما ننظر اليــه على أنـــه حوار بنّاء بين وجهــات نظر مختلفــة ومتباينــة، وعنـــدما نتعـــامل معه على أنّ منطلــقه هو مرجعيــات مختلفة تثريها خبــرات واسعــة وتــراكمات ثقافية ،وواقعــية.
وبغير اختـــلاف وخــلاف الرأي، نقـــع في أزمــة جمود وتضاد طبيعة الفطرة، ونقضي على ثقافــة الاختلاف ووجهــات النظـــر وتباينــها، ومن ثم ينقصنــا الثــراء والتعــدد.
ومن ثم كان ينبغي أن نــركــز نظرتنا الى تــوظيفه في العمل المطــروح، والاستفــادة من نتــائجه، دون أن نعــطل فوائـــده، ونبقـــى محبــوسين في قــانون التشاؤمي، صـــواب أو خــطأ.
لاسيما وأن أمام أعيننا نفـــوس صفـــت، وعــقول تفتحت فأنتجـــت خــــلافـا نزيـــها، ارتفعــت فيه على حظوظ النفــس وانقباض الفكــر.
وكـــان ســـر نجــاحها أنهــا أدركـــت ســـر اختـــلاف في الرأي وواقعية واختـــلاف رؤيتنا لأشياء من حــــولنا.
وهـــذا يجعــلنا دائمـــا بحــاجة الى أن ننظر لأمور من وجهــة نظر الاخـــرين أيضا، وليــس من وجهــة نظرنا فقط.
كـــما علينا ألا نكـــون حــريصين، على أن نغيــر وجهـــات نظر الاخـــرين، لكـــي تتفق مع احتياجاتنا ومصــــالحنـــا.
فاذ ما تقبـــلت عقـــولنا فكــرة الاختـــلاف وأهميته، فهل نحن موضــوعيون في خــــلافنا؟
هـــل حـــقا كنــا نختلف من أجــــل قضيـــة مطروحة، أم أن هنـــاك أشيــاء ا أخـــرى أخــدت بنـــا بعيـــدا عن صـــفات الاختـــلاف؟
وحــتى نثــري هذه المقالة بمقتطفــات واقعــية، لابـــد أن نعـــود للوقائع حدثت مع كبـــار العقول، وكيف كانــوا يديرون أزمـــات الاختلاف بدهـــاء، وكيف كانوا يوظفون اختلافاتهمللإثراء النقاش والواقع.
أول حكــاية ستقودنا الى "رفيد سلون" رئيس مجلس ادارة "جنيرال موتورز" يقول في اجتماعه بمديريه ومساعديه.
أيها الســادة:
"انــي أفهـــم الآن أن هنـــاك اتفــاقا كــاملا بين المجتمعين على القرار المعروض هنا. لذلك فاني أقترح تأجيل مناقشة الموضوع لاجتماعنا القادم ،لنعطي فرصة لتنمية وجهات نظر مختلفة فربما نفهم شيئا جــديدا في القرار المطلوب اتخـــاده.."
أمـــا "فرانكلين روزفلت" رئيس لولايات المتحدة الأمريكية الأسبق، فقد كان يدرك قيمة اختلاف وجهــات النظر، وأنه يثري المؤسسة بالبدائل المختلفة، لذلك كان عندما يعرض عليه أمــر من الأمــور الهامة، فكــان يعطي بعض مستشاريه وجهــات نظر معينة، تهدف لتأييد هذا الأمـــر، ويطلب منهم تنميتهــا.
ثم يعطي وجهـــات نظر مختلفة الى البعض الآخـــر تهدف الى ابراز الجوانب السلبية، حتى ينمي وجهــات النظر المعارضة.
فكــان هذا الاسلوب يحميه من أن يكــون سجينــا لآراء ،تتفق ســـواء كان هذا الاتفــاق، يهدف الى اقرار هذه الموضوعات أو معارضتها.
اذن احتــرام وتقــدير الاختلاف بيننا وبين الآخـــرين، هـــو جوهـــر التفاعـــل الايجــابي، لأن الناس مختلفون، دهنيا، وعاطفيا، ونفسيا، والطريق الى احترامنا وتقديرنا لهذه الاختلافــات، هو أن ندرك ونعي جيدا، أن كل النــاس لا يرون العالم كما هو عليه، ولكنهـــم يرونه من خلال ما هم عليـــه.
وفي ظـــل التفــاعل الايجــابي فــان اختـــلاف الرأي، يثـــري ويطــــور.....ويبنـــي بحثـــا عن البـــديل الثـــالث.
هذا البــديل الثالــث الذي حتمـــا سيغيــر من نظرتنا لآخر، وربمـــا تجــاوز الاختلاف والخــلاف، والمرور للعمـــل والاشتغال جنبـــا الى جــانب، لكــــن كمــــا قيــــل ووجب تذكير به، فــان طـــال الخـــلاف بين اثنين أكــثر من لازم فكـــلا الطــرفين على خـــطأ، هــذا فيما قيل عن الاختلاف أو الخـــلاف.
