يحيى عمران
هو نتاج حوار دائر بيني وبين فريق من أصدقائي منذ فترة زمنية قصيرة إن على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي أو على مستوى الجلسات المباشرة على مقاهي المدينة.
ذاك هو ما تمخض ليفرز هذا المقال الذي جعل من الانتماء واللانتماء عنوانا جوهريا له.
أن تنتمي أو لا تنتمي ليس هو الشاهد عندنا، لكن أن تبحث في شروط ومواصفات الانتماء السياسي ذاك هو المطلوب هنا.
أحدهم أكد أن شروط الانتماء والانخراط ضمن الأحزاب السياسية على وجه التحديد هو أمر عزيز في هذا الزمن السياسي الهزيل مادام أن الوضع السياسي فقير على مستوى الأداء، ومأزوم على صعيد الفعالية و التأطير، والاضطلاع بالوظائف الحقيقية للحزب السياسي في المغرب.
نفس الصديق يلح على أنه فقد المصداقية في الفعل السياسي المغربي متعللا باعتبارات مختلفة على مستوى الشكل والمضمون.
1/ المشهد الحزبي المغربي فاقد للبوصلة الموجهة نحو تحقيق الوظيفة الجوهرية التي وجد من أجلها.
2/ الأحزاب السياسية المغربية تتأسس على الأشخاص والأعيان، وليس باعتبارها مؤسسات لها أجهزة وسيرورة تستمر رغم مغادرات الأطر والشخصيات التاريخية.
3/ البرامج السنوية المقدمة من طرف معظم الأحزاب المغربية واحدة ووحيدة لا يفصل بينها سوى الالوان والرموز
4/ الخطاب السياسي الحزبي مقولب في قوالب تقليدية غير خاضعة للتحيين والتجديد وفق مستجدات القواعد الجماهيرية والأرضيات المستحدثة.
5/ جزء كبير من مشاهد الفصل السياسي المغربي هو صناعة مخابراتية تتحكمن في خرائطه وبرامجه وسيروراته دولة المخزن.
6/ بعض الأحزاب هي أداة طيعة وأبواق للترويج لدعاية دولة المخزن حول تنزيل ايديولوجيات لتجميل الواجهة المخزنية دون نقد أو اعتراض.
7/ الأحزاب المغربية فضاء طبيعي للصراعات الداخلية والانقسامات والانشقاقات، المؤمنة بشخصنة الاحزاب في شخص واحد، والمتمسكة بمبدأ الصراع حول الزعامة والقيادة بأشكال مشروعة وغير مشروعة.
8/ غياب الديمقراطية الداخلية داخل معظم الاحزاب السياسية، والصراع حول المناصب والكراسي مع التفكير دائما في تقديم المصالح الشخصية على حساب المنفعة العامة للشعب.
9/ غياب النموذج السياسي الملهم والناضج والمؤثر.
10/ معظم الأحزاب السياسية هي بمثابة أكشاك ودكاكين انتخابية موسمية تنتشر مثل الفطريات مع حلول موسم الانتخابات وتنقرض بانقراضها.
11/ ما يقع اليوم في دواليب بعض الأحزاب المغربية الكبرى -ونخص بالذكر هنا الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية – من صراعات وانشقاقات حول الكراسي لا الأداء والفعالية ولا تغليب المصالح العليا. وما حدث في مؤتمر حزب الميزان الأخير....
فقد أكد صديقي بعد هذا الاستعراض المحبط لسامعه أن هذه النماذج واضحة وصريحة تجعلك – يقول – و تجعلني مقتنع تمام الاقتناع بتعفن العملية الحزبية في المغرب.
في خضم هذه التبريرات التي استعرضها صديقي، والتي اعتبرتها منطقية ومحبطة في نفس الوقت للانتماء الشبابي الى الأحزاب، ومعرقلة للانخراط في الأحزاب السياسية وجدتني أستعين بما أمتلكه من عدة حجاجية لأقنع صحابي بضرورة العدول عن هذا الموقف المحبط المؤدي إلى الفراغ والمؤسس لإعادة إنتاج نفس النخب من الجيل القديم، الأكثر تمسكا بالكراسي الوفيرة، والأكثر تحكا وتسلطا وتجبرا إمام قواعدها الجماهيرية، والأقل شهامة ونضالية عند المواقف الكبرى التي تهم البلاد.
فرددت صائحا: إن الزمن زماننا نحن الشباب. قائلا: الشباب من غير ومن سيغير، ولا مناص من امتهان العمل السياسي رغم أنف أجيالنا القديمة، ورغم اكراهات آلاتنا المخابراتية التي تروج لمثل هذه المعطيات. ورغم الحملات المسعورة التي قادتها دولة المخزن قبل الاستقلال وبعده للتخويف والتهويل من خطر الانخراط السياسي والانتماء الحزبي بشكل خاص.
هذه أساطير قديمة تقليدية أسسها المخزن كعادته المكشوفة مثلما أسس لأفكار أخرى تخيف وتهول من المشاركة السياسية خوفا من إمكانية مشاركته في السلطة، أو انتزاع آليات السلطة الرمزية والثقافية و الإيديولوجية من باب بلاطه.
فالربيع الديمقراطي يا صاحبي تحقق بفعل ثورة الشباب وفورة وعيه ونضجه، فحقق ما لم يحققه من كانوا يحتفلون يوما بماضيهم السياسي وبنضالهم العتيد في سنوات الجمر والرصاص. فالزمان زماننا، والمبادرة مبادرتنا. نحن الحاضر والمستقبل، نحن صناع الفعل الثقافي والسياسي لهذه البلاد، نحن عمادها وفخرها وقاعدتها المؤسسة لها.
ومنه، رغم هذه الصور القاتمة والوضع المأزوم للمشهد الحزبي المغربي إلا أننا يمكن أن نعثر بين القنافذ على أملس.
فثمة أحزاب مازالت تحافظ على مواقعها ومواقفها- ولو بشكل جزئي- يمكن أن تشكل نقطة بيضاء في جلد الثور الأسود. نستطيع الانطلاق منها للوصول إلى الغايات والمتمنيات الشبابية.
فمازالت بيننا أفكار محترمة، ومازال الاستثناء الجميل وسط قبح القاعدة يستحق الاحترام والتقدير... أو ليس هذا مبعث للأمل وكسر للخيبة والإحباط؟
أسهبت في الكلام ، قاطعني صديقي وأدار رأسه يمنة ويسرة فحمل قلمه ثم تناول ورقته ليجيب كتابة لا شفاهية : " كل شيء في المغرب يتغير من أجل إلا يتغير التغيير..."
