يحكى أن رجلا تملك منزلا به مكتبة ضخمة، فقام من ضمن ما قام به بإزاحتها من مكانها ووضع كتبها في مدخل المنزل بعشوائية ودون ترتيب، في حين وضع أشياءه الثمينة بغرفة أحكم إغلاقها، وعندما سئل عن سر وضعه الكتب في ذلك المكان رد بأنه ينتظر أن يهجم اللصوص على البيت في يوم من الأيام، فيأخذوها ويخلصوه منها ويكفوه شرها.
هذه القصة تلخص واقع تعامل رئيس المجلس الحضري لمدينة اليوسفية مع المركز الثقافي للمدينة، فبعدما حولته سياسته المهمشة للثقافة إلى مكان مهجور خاو على عروشه، بما يشبه مقبرة جماعية ضحاياها كتب قتلت في صمت، ودفنت وهي مدثرة بطبقات الغبار، راهن طيلة تواجده على رأس المجلس على قدوم زوار الليل لانتشال رفاتها والسطو عليه، ممنيا النفس بالاستيقاظ يوما على إيقاع سرقتها، ليتخلص من عبئها وعبء من ينغصون عليه راحته بمطلب إحيائها وإحياء المركز الذي يحتضنها،ولأن أسهم الثقافة في هذه المدينة منخفضة إلى مستوى الحضيض، ونظرا لكون الكتاب آخر ما يفكر فيه، فقد فشل المخطط فشلا ذريعا، لم يراود أحد كتب المركز عن نفسها، ولم يتحرش بها أحد، وهو ما اعتبره سيادته بوارا وكسادا أنفذه صبره وأفقده صوابه، فأصدر حكمه موقعا باسم نائبه الأول بإلقاء القبض على محتضنها واحتجازها داخله بسلسلة حديدية براقة في رسالة أريد لها أن تكون واضحة لكل المتلبسين بجرم الثقافة، بأن يلقوا نفس المصير إن هم أصروا على الاستمرار في اقتراف ذنب الإبداع ، عساهم يلتقطوا الإشارة ويرعووا عن غيهم، ويعلنوها توبا نصوحا بالإقلاع نهائيا عن سلوكهم هذا.
تلك أوهام وحسابات سطحية لم يدرك السجانون أنها ستصب عليهم الاستنكار والشجب من كل جانب، كما أنهم لم يدركوا حجم الخدمة التي قدموها لهذه الكتب، ولو أوتوا منطقها لسمعوها وهي تتبتل بكلام يوسف عليها السلام: "رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه"، فوضعها وهي وحيدة الآن، أفضل بكثير من وضع نشاز حولها إلى شاهد متقزز على مهازل دورات مجلس تدور على مقربة منها، تشنف آذانها عبارات من عيار المستوى الهابط تطلقها قوات احتلال مدججة بقاموس لغة أكلوني البراغيث في نسختها اليوسفية الرديئة، فتكتفي بالأنين باكية، دون أن تجد من يكفكف دموعها، إلى أن جاء الخلاص، فأنقذها من هذا الكابوس المزعج، إنها واحدة من الروائع التي تحسب لهذا المجلس ولرئيسه الذي لن يجود زمان اليوسفية البئيس بمثله.
بدورهم استفاق المحبون الوالهون من غفلتهم في دقائق اللعب الأخيرة، وأحيوا ميثاق العشق الصوفي مع هذا المكان الذي نسجوا وإياه ملاحم عشقية في يوم من الأيام، قبل أن تصرفهم عنه مشاغل الحياة اليومية، فشيعوه بما يليق به انتصارا للذاكرة التي محاها النسيان، وبنوا على أنقاض إهماله ووحشته ضريح الكلمات، بما جعلها تأنس وهي في قبرها بما لم تظفر بها حينما كانت تصارع الموت، ولا تجد بجانبها إلا الأفاعي والعقارب ومختلف الهوام.