عدنان بن صالح
- تشهد الدِّيناميات السياسية والاجتماعية تغيّرات ملحوظة في الآونة الأخيرة، وذلك على عدّة مُستويات، نستلٌّ من بينها، ذلكم التبدُّل الذي طرأ على رؤية وموقف شرائح عريضة من المجتمعات العربية (أساساً) من القضية الفلسطينية، فلم نَــــعُد نرى في أكثر من قُطر تِـلْكُم المسيرات الحاشدة والتظاهرات المليونية والمُبادرات المُبدِعة والخرجات الإعلامية لقادة الرأي والفِكر وفعّاليات المجتمع المدني (الإسلامية، القومية، الإنسانية..) إلا ما نَــدُرَ؛ إذ خَفُـــتَ الوهج والتضامن والتألُّق في المُساندة الذي كان هو ديدنُهم تُجاه القضية منذ زمن، وبخاصة في المرحلة التي تَلت انتفاضة الحجارة سنة 2000م.
- ففي الوقت الذي تتهارَشُ فيه حكومة نتنياهو على الْتِقام ما تبقّى من بُقَعٍ أرضية فلسطينية، وتتزايد حُمّى التهويد الذي يطال المعالِم والمآثر والتراب والإنسان، وفي ظِل حركية منقطِعة النظير لتقزيم فاعلية الحركة الإسلامية داخل الخطّ الأخطر، ومدِّ يــد التعاون والتخابُر والتّنابُز مع البقية الباقية من خَونة منظّمة التحرير الفلسطينية، والتّضييق المُمَنهج على الحريات العامة داخل المجال الجغرافي للمدينة المُقَدَّسة، إضافةً إلى الرفع من جاهزية وأداء الأداة الديبلوماسية الصهيونية الداعمة لخيار الدولة الوحيدة ذات العاصمة الأورشليمية الوحيدة، والحكومة الوحيدة داخل أروقة الأمم المتّحدة، وعبْر أذرُع الكيان الأخطبوطية في دهاليز البنتاغون والحُكومة السفلى لأمريكا، وتولِية الوِجـــهة السياسية صوبَ القوى الإقليمية الرجعية العميلة في الخليج، لانتِــــزاع مزيدٍ من الدعم اللوجيستي والأمني والدبلوماسي والعلمي حتّى؛ ضمن هذا السياق؛ وفي إطار الصعوبة التي تعاني منها القضية الفلسطينية كنتيجة قريبة الأمد لما بَـعْـدِية الربيع الديمقراطي في المنطقة العربية، وكنتيجة كذلك لصَدى الارتدادات والضربات الانقلابية التي عصفت بالقاهرة منذ الثالث من يوليوز العام الفارط، حيث كان دوماً محور _ الدوحة / القاهرة _ مهِمّا و حاسما في التغير الجيوبوليتيكي لصالح فلسطين..
هاته السياقات وغيرها مُجتَمِعةً؛ تعقِّد مسار التضامن السوسيو-سياسي واجتماعي مع القضية، وتنعطف بمسألة إحياء المحطات البارزة في تاريخ فلسطين 180 درجة!
و لا أتقصَّدُ هنا إيراد جانب من تاريخ القضية، ولا متغيراتها، ولا ما يمكن التنبُؤ به؛ بل كل مُرادي هو أن أساهم (وإياكم) في إجراء عملية جراحية لِـــمُتون بعض الشعارات التي تُرفعُ مدوِّيـــةً بها حناجِرُنا، في ظِل علاقة طَلاقٍ كبرى بينها (كشعارات مؤطِّرة/إيديولوجية/تاريخية،..) وبين (المنشود واقِعاً ).
قد تزول المؤاخذة على بعض الشعارات لاعتبارات (الصلاحية التاريخية، أو الاستئناسة الجماهرية، أو الحاجة للذِّكرى..)، ولكن بعضٌ من تِلك الشعارات آتية لا محالة من عالم (المُــتَـخَـيَّـل العقلي المُستحيل تحقّـقُه)، كيف ذلك؟
دعوني أذكِّركم بنكتة خفيفة حدثت لي أثناء إحدى وقفاتنا المعاضِدة لفلسطين خلال السنة الفارطة، علَّقتُ على (قَصْدِية) شطْر مِن شعار لَمْ يَـرُقُ لي (في سياقهِ) ، مع احترامي الكامل لِنية رافِعــه .. خاصة المقطع القائل: (قادمون قادمون؛ نحن نحن المُسلمون)، مُتسائلاً فيما معناه : "و مَن سيسمح لنا بالمُرور ؟"، مُستحضراً السياق العالمي والإقليمي والمحلي هناك في فلسطين! فقاطعتني امرأة في الأربعين ربيعا : " ربِّي سبحانه هو اللي عايوُصّلنا لتمّا، واندخلو كاملين "!، شاطرتها ابتسامةً عابِرة، وصمتُّ.
لنأخذ مثالاً للتّشريح شطْراً من إحدى الشعارات يقول (وعلى مَضَى السّيوف.. نستردُّ قُــدْسَنا)؛ مع شيء من التّحوير طبعاً، فكثيراً ما نبْــتَـهِل به قُرباناً هابيلِياً نُقدِّمهُ بين يدي القدر الإلهي، ثمّ نـرْكَنُ إلى استِـزْرَاد لُعابِنا والسباحة في نَهْـرِ أمَلٍ عريض، تاركين للمولى التدبير والتقدير والتغيير والتحرير !! عِلما بأن الشعار ينافِي تماماً منطوق الآية (وأعِدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ) ومفهومها، ومضمون الإشارة النبوية المذهلة ( ألا إنّ القوة الرّمي، ألا إنّ القوة الرَّمي) ومراميها، الدالة على حُدوث تبدُّلات عميقة في الأداة الحربية ومِن ثَــمَّ الوضعيات الاستعدادية والفضاءات المُستقِبِلة لأيِّ مواجهة مُحتَمَلة.
فضلاً عن ذلك؛ يُـبْقي الشِّعار _ بعضاً منّا _ في مُرَبَّع النّظر إلى الذات بعيداً عن رؤية موقع الآخر وإلى أيّ مدى وصل؟ (الكيان الصهيوني في هاته الحالة)، وما هي عُدّته، استعداداته، منجزاته، مُدّخَراته، احتياطاته، قوّته، علمه، استراتيجياته؟؟
طبعاً، سيُقال أنه ليس دورنا إعداد العتاد العسكري، ولا التجنُّد في جبهة خاصّة لمواجهة الكيان، أو شيء من هذا القبيل. . . طيّب !
ولكن لن يُنازِعَ أحدٌ طَرْحَنا القائل بضرورة معرفة مَن نواجه، وبضرورة تَـمْهير قدراتنا على المواجهة الإبستيمولوجية، والنّفاذ إلى أعماق التحليلات الإعلامية، والاطّلاع على أحدث الدراسات المهتمة بالشأن العسكري والحربي، واستِدرار الخِبرات العلمية في مجال التكنولوجيا العسكراتية، كَوْن الأطروحية الصهيونية تقوم على أساس التطهير والإلغاء والإنفاء وعقيدة الإماتَة لكل الأمّيين (وقالوا ليس علينا في الأميين سبيل) _الآية_ ، وتنطلق من التعصُّب المريض والشّوفينية والإحساس بالعُلوية والتميُّز، والشّغف الأسطوري في الاستئثار بحبِّ الله، والرغبة الجامحة في الهيمنة وإضعاف الآخرين، والتمكين للاغتصاب والنهب والسلب والتفوّق الأمني. ويرَونَ أنّ التاريخ اليهودي يؤدي إلى النهاية الإسرائيلية السعيدة، وفي الفردوس الأرْضِي اليهودي الجديد يحمل كلّ المواطنين أسماءً عبرانية لها رنين خاص، وينظرون إلى (الكيان) على أنه كيانٌ ميتافيزيقي يحقِّق نبوءات العهد القديم، طارِحين أنفسهم على مُستوى من المُستويات على أن دولتهم (آلة) لا شرقية ولا غربية، تعمل دون تاريخ، ودونما أعباء تاريخية، وأنها المُستقْـبَل لمن يــــودُّ أن يطرح عن كاهله تُراثه وآدميته، وهويته وحضارته! ، آخذين من الصورة التلموذة المُحرَّفة أبشع مقولات الدماء والتصفية والمواجهة، وذِروة التطرّف والعنصرية، بحُسبان نُصوصها التحريضية تنزاحُ إلى واجب (المُرسَلِ إليهم) بناء أداة عسكرية وسياسية ماحقة.
هاته المُعتقدات طبيعي أن تدفع بالكيان إلى أن يتأسس على " عقيدة الجيش "، حتى أضحى يُقال _ أو كان يُقال _ في المجامع العلمية والإعلامية والسياسية : إسرائيل؛ الجيش الذي لا يُقــهر . ولنا أن نطّلع على شهادات الطلبة والشباب وبقية الشعب الذين يخضعون للتّجنيد الإجباري والولاء للعسكر والقوة، ولا شيء غير القوّة، حتى قال أحدهم ذات يوم : " حياتي في صَهيون لا تُطاق، لأنّني أشعر بنفسي مجرّد مادّة استيطانية، اقتصادية، وقتالية متعصِّبة ".
في وقفة البارحة، تسمّرتُ في مكاني عندما أعلنت الحناجر عزمها تكرار الشعار (وعلى مضى السيوف؛ نستردُّ قدسنا ) لأكثر من مرّتين، مُـــتَـخَّـيِّلًا (عودةً وجودية) للصحابة والتابعين الكرام وقادة الفتح الإسلامي وروّاد الانتصارات الحضارية أيام عِــزِّنا، وهم مُــحْلَوْلِــقونَ بالششكل الدائري للوقفة التضامنية – التنديدية؛ تدور أعينهم في محاجِرها حائرة دامعة، متسائلةً عقولهم النيِّرة : عن أية سيوف يتحدّث هؤلاء ؟
وعادت بي ذاكرتي إلى ما ذلكم الرصيد المتواضع الذي اخــتُزِن مع الوقت إمّا اضْراراً وإما رغبةً واستِلْذاذاً؛ مِن معطيات حول المقدُرات القتالية والدفاعية لدولة الكيان الموبوء، وصُدِمتُ _ حينَ التذكُّر والاسترْجــاع _ ِمن هول الفارق بيننا وبينهمّ، وأحببت أن أفصِحَ عن جانبٍ مِن أبرز المحطّات التي قعطها الكيان في إعداده ليوم ملاقاتنا، وقد لاقانا ولاقيناه؛ وأودّ أن أورِد هنا المُستوى الأعلى من التجهيزات والتحضيرات والتي يُـعبَّــر عنها في الأدبيات الصّــــــــهيونية بــ "خيار شمشون الجبّار"، وللعبارة قصّة تُثير الاستغراب والضحك ليس المكان مناسب لذكرها، والمقصود بهذا الخيار هو العتاد النّــووي لدولة بني صهيون، لنُــقدِّر حجم المذْبَحة التاريخية التي نمرِّر ثِقلَها على أنفسنا وتتشرّبها أذهاننا وأذهان العامّة التي تُحيط بسِوار أشكالنا النضالية المتضامنة مع إخوتنا وأشقائنا في الدين والعروبة والجغرافيا والتاريخ؛ إذ تتحدث المعطيات على سبيل الاقتضاب _ قائلة :
1- فكرة السِّلاح النووي لم تـــنْــوَلِد في رحم الموساد داخل تل أبيب، بل هي آتية مع الزمن، وقد انقدحت في ذهن زمرة من المُجرمين الذين اجتمعوا في (الفانين زِي) البُحيرة الشهيرة بمُحاذاة العاصمة الألمانية برلين، مطلع سنة 1942م، بقيادة المُستشار الشخصي لهتلر، الدكتاتور (هملر) رئيس الجِسْتابو النازي، وهو صاحب فكرة " الحل النهائي لليهود "، القاضي بتصفية أزيد من 11 مليون يهودي في أوربا. وقد ذكرتُ هاته الفكرة على سبيل الربط بين عقلية النازية وعقلية الصهاينة، لنعرف أكثر كيف تأثرّت الضحية (المجموعات اليهودية آنئذ) وتشرَّبَت نفسية الجاني (الجماعات النازية وقتئذٍ)، لتُعيد إنتاج أنماط السلوك الظّلامي الإرهابي وتُكرِّر جرائمه ضدّ العرب (الفلسطينيين في هاته الحالة)؛
2- الكُتلة الحرجة في تاريخ الصَّهاينة المُعاصر المتمثِّلة في الأدمغة العسكرية الإجرامية وُلِـــدت وعاشت في وِعاء (أسطورة الهولوكوست)، فكانت ذاكرتهم ولا زالت مُشْـبَعةً بالرُّعب إلى أقصى مداه، وحرصهم على الشكّ في كل ما يحيط بهم لا يقلُّ شأناً عن حرصهم في إعداد العُدّة لمواجهة كل ما يمكن مواجهته في أفُـــق المواجَهة الشامِلة؛
3- في عام 1986م روى رجلٌ اسمه (فانونو) كان يعمل بصفة فـنـِّي قي المفاعل النووي الإسرائيلي خَبَراً مُثيراُ عن طبيعة العمل في مفاعل (ديمونا)، وبالمناسبة (هذا المفاعل أُنشِأ برعايةٍ أمريكية ودُعِّم علميا وتقنيا من طرف فرنسا)، وزَعمَ أنه يمتلك في حوزته ما يناهز 57 صورة التَقَطها بنفسه لكل أجزاء المفاعل. ساعتئذٍ أدرك العالَم أنّ الدولة العِبرية قطعت أشواطاً بعيدةً في إنتاج السلاح النّووي، وقد كلّف هذا الفعل (فانونو) أن اصطادته أجهزة المُوساد في العاصمة البريطانية لُندن، فحُكم عليه بالسجن لمدّة 18 سنة؛
4- ويُورد الأستاذ خالص جلبي معلومات قيمة عن بانوراما القوّة النووية لِبَنِي صهيون في دراسةٍ له عن السلاح النووي الإسرائيلي بين الحقيقة والأسطورة، فيذكُر أنه مع مطلع العام 1968 أصبحت دولة الكيان الغاصب قادرة على إنتاج ما لا يقلُّ عن خمس قنابل نووية سنويا، من النوع الانشطاري في مرحلته الأولى، ومع مُضاعفة الجهد لبناء المزيد من القنابل النووية امتلكت إسرائيل في مطلع العام 1970 ما لا يقلُّ عن عشرين رأساً نوويا، وفي الثمانينات امتلكت حوالي 200 رأس نووي!!؛
5- (السَّــامِرِيُّ المعاصر) لا زال يعمل على إنتاج "عِـجل بني إسرائل المقدّس له خوارٌ من نوع جديد"، ولا زال يــنْــزَعُ نحو التسلُّح بأعتى الأدوات التدميرية فتْكا بالبشر والحجر والشّجر، فمِن السلاح النووي الانشطاري، مروراً بالنوع الالْتِحامي، فالشُّعاعي النِّــيُوتْــرُونِي، فــالتَّكْـتـيـكـي، وصولاً إلى السلاح الاستراتيجي، في تسابقٍ محمومٍ وتصاعُد آليٍّ حــاد، لا يُبقِي من دياليكتيك التطور العلمي شيئاً إلا أخذ به؛ بقــــوّة !
أمام هذا الوضع التَّــفَـوُّقِي للعدوّ (ولا نذكر هته المُعطيات استلاباً أو ذُهولاً؛ إنما من باب الإحاطة عِلماً)، ألا يحقُّ لنا الاعتراف أنّ معركتنا مع الكيان الإحلالي الاستيطاني التوسُّعي معركة حضارية وجودية بالأساس، تقوم على جدلية التخلُّف العلمي والتّقنوي والقاعدة التكنولوجية المعدومة الموسوم بها نحن (العرب)، والتفوّق اللّامحدود في كل ذلك الموسوم به وضع الآخر (الكيان الصهويني)، الماتِــــحِ من قوّة الغرب المُهيمِنة؟، ألا زالت اليقينية العمياء في كـــــــــــــوْن "السّيف أصدق أنباءً من الكُتُب"؟، أعَلى مضى السّيوف سنستردُّ مقدّساتنا، أراضي أجدادنا، شَرف أقصانا ؟، أمِ الحُـمُـولة الكُمُونِية للشِّعار لا تتـــجاوز المعنى المَـــجازِي فقط ؟؟
