محسن زردان
الحروب المشتعلة رحاها في الساحة السورية والعراقية، والتوترات السياسية والطائفية التي تخيم على اليمن، الكويت،البحرين وباكستان، أعادت إحياء الصراع التاريخي بين السنة والشيعة.
ما يثير الانتباه، أن أغلب الحروب ونقط التوتر الدائرة حاليا عبر ربوع العالم يكون طرفاها مسلمون،وبالتالي فهي حرب تحمل في ثناياها حرب داخلية بين نفس الحضارة (الإسلامية) وليس بين حضارة الغير الخارجة عن نطاق الحضارة الإسلامية كما يعتقد الكثيرون.
هذا الصراع الطائفي،يحمل خبايا جد معقدة إذا أردنا الوقوف على ملامسة الأسبابوالمسببات،حيث أصداء التاريخ تخبرنا إجمالا أن بوادر الفرقة التي قسمت عضد المسلمين بدأت إبان وفاة النبي محمد(ص) وما تلاها من صراع على الحكم والسلطة في خلافة المسلمين، وقد ازدادت حدته إبان مقتل عثمان بن عفان وانقسام المسلمين إلى فريقين متصارعين، فريق موال لعلي بن أبي طالب الذي سيتحول مع مرور الزمن إلى طائفة شيعية، وفريق مساند لمعاوية بن أبي سفيان الذي قاد حملته من أجل الوصول للسلطة على خلفية القصاص من قتلة عثمان،وقد تجسد هذا الصراع في الموقعتين الشهيرتين الجمل وصفين.
ما ينبغي قوله، أن هذا الصراع على السلطة لن يخرج عن القاعدة العامة التي يتداخل فيها التصارع على المصالح، وكذا الانتصار لبني الجلدة ومفهوم القبيلة، مما يجعل المكر والدهاء والحيلةممارسات شائعة للوصول إلى هرم السلطة السياسية.
يرجع الكثير من المحللين أصل هذا الانقسام المذهبي بين المسلمين إلى عدم وجود نص صريح في القرآن الكريم وكذا الأحاديث الشريفة في توضيح كيفية اختيار خليفة وتعيينه لممارسة الحكم والسلطة والعمل السياسي، وقد يكون تفسير ذلك إلى ما ذهبت إليه الآراء من كون العمل السياسي من الأمور الدنيوية وليست الدينية لذلك لم يتطرق له الإسلام بتفصيل، غير أن الكثيرين من يردون على ذلك بكون الإسلام هو دين ودولة وبالتالي فالأمور الدنيوية هي جزء أساسي من اهتماماته الحيوية.
من جهة أخرى، فمن الأمور الخلافية بين السنة والشيعة في مسائل تعتبرها هذه الأخيرة جزءا أساسيا من معتقداها، متمثلة في العصمة والإمامة،الموقف من صحابة الرسول، التقية،المهدية،زواج المتعة وضرب النفس.
الواقع الحالي، يحمل صورا لدماء تسيل،مسلمون يقتتلون ويقتلون،عائلات وأطفال ونساء وشيوخ يهجرون، عمران مآله التخريب،مجموعات مسلحة تقاتل من أجل قضية غامضة شعارها وظاهرها محاربة الظلم والطغيان وباطنها دوافع عقائدية قائمة على تكفير الغير وإلغائه.
إنها مشاهد أصبحت اعتيادية للحرب والقتل،تبطش بكل من سوريا والعراق بدرجات أكثر حدة، ودول أخرى أقل منها حدة كالبحرين والكويت وباكستان ولبنان وهي هذه الأخيرة مرشحة بدورها لتغدو كبؤر للتوتر قابلة للاشتعال في أية لحظة، حيث تبقى النقطة المشتركة بين تلك الدول هي تواجد طائفتين من الشيعة و السنة يقتسمون الأرض والمكان والزمان والهواء.
هذا المعطى يجعل الدول الإسلامية التي تضم طوائف السنة والشيعة تتخوف على مصير الغد،مثل ،السعودية،تركيا،الإماراتالعربية المتحدة،قطر،عمان،باكستان،أفغانستان،طادجكستان،أزغبدجان، بالإضافة إلى الدول التي تم ذكرها سلفا.
إن هذه الدول، تدرك تمام الإدراك سهولة إشعال صراعات وتوترات قد تصل إلى حروب على أراضيها، إذ يكفي اللعب على الوتر الحقوقي الذي تتقنه الدول الغربية القوية من خلال إشعال فتيل حقوق الأقليات العرقية والدينية والإثنية وحق تقرير المصير، خصوصا وأن مستوى وعي شعوب هذه الدول لا يزال ضعيفا مما يجعل مجال الإدراك يتخلله القصور حول تبعات الاقتتال والفرقة على أمور خلافية قد تبدو في حقيقة الأمر بسيطة لكنها تكلف خراب البشر والحجر لأجيال وأجيال.
نكاد نجزم تواجد حرب باردة بين الشيعة والسنة خلال فترة الاستعماروالاحتلال الأجنبي ولم تشتد حدتها نظرا لكونهما كانا يتوحدان على ضرورة مواجهة العدو المشترك المتمثل في الوجود الأجنبي، غير أنه بمجرد طرد هذا الأجنبيبرزت خلافات على تقاسم السلطة وتوزيع الثروة مما حدا بالطرفين نحو اللجوءإلى منطق التحالف والانتصار، كل لطائفته، ضمانالتحقيق التواجد والحضور، وغنمالمكاسب.
غير أن هذا الصراع، خرج إلى العلن بتبني العنف وحمل السلاح قصد تصفية الآخر،وقد زكى هذا الصراع تسارع التقنية المعلوماتية والتكنولوجية للخبر والمعلومة بانتشار القنوات التلفزية والفضائيات والإذاعات، مما حدابالمسلمين إلى اكتشاف حجم الخلاف بين الشيعة والسنة في العادات والمعتقدات، وقد زاد من تأجيج هذه الوضعية حملات شيوخ الطائفتين على الفضائيات عبر نهج أسلوب التقريع والتحريض والتكفير.
المعسكر السني تتزعمه المملكة العربية السعودية، بوصفها رمزا دينيا اكتسبته من احتضانها لمكة المكرمة، الأرض المقدسة ومنبع الحركة السلفية التي تتبنى السير نحو منهج السلف الصالح المتمثل في صحابة رسول الله،مع الاتكاءعلىمخزون مالي هائل تنهله من عائدات البترول، والمعسكر الشيعي ترأسه إيران الفارسية التي تتبنى المذهب الشيعي القائم على نظام سياسي لولاية الفقيه، الذييشكل خطرا داهما على الدول ذات الأغلبية السنية، حيث أن المتشيع يصبح تابعا روحيا وعقائديا للمرجع والمرشد الأعلى المتواجد في إيران وهو آيات الله الخميني حتى ولو كان مواطن لبلد آخر.فالثورة الإيرانية حسب رؤيتها التي قادها خامنائي هي ثورة على الفساد والقضاء على رموزه وبالتالي ستليها مراحل قادمة لتنحية القادة السنيين الذين يتعاونون مع الشيطان الأكبر وهي أمريكا.
هناك حرب أخرى على الوجهة الديمغرافية، حيث أوضح مركز منتدى الأبحاث ليوفورمالأنجليزي المتخصص في إحصاء السكان حسب الأديان والمعتقدات في تقريره على كون المسلمين الشيعة هم أكثر الطوائف زيادة حيث وصل عددهم أكثر من 400 مليون نسبة، وبالتالي فهم يمثلون ربع سكان عدد المسلمين في العالم البالغ عددهم مليار و 600 مليون نسمة.
صراع النموذج بدوره يطرح نفسه بإلحاح، إيران الفارسية الشيعية تحاول أن تظهر بمظهر الدولة القوية التي استطاعت مواجهة الغرب رغم حصاره الشديد لها، من خلال تقوية اقتصادها الذي يحاول بناء بنياته التحتية اعتمادا على خبرة علمائه، حيث اصبحت دولة مصنعة إلى درجة النجاح في بناء عدة مفاعلات نووية الشيء الذي سيجعلها ضمن نادي الأقوياء، وتضمن بقاء نظامها لأنها استفادت من مجريات المشهد العراقي الذي تكالب عليه الغرب بمجرد التأكد من عدم توفره على سلاح رادع.
في المقابل تتزعم حاليا العربية السعودية المحور السني بعد تراجع التأثير المصري نتيجة إضعافه بسبب صراعاته الداخلية، فالعربية السعودية الدولة الصغيرة من حيث عدد السكان والكبيرة من حيث مداخيلها المادية من عائدات البترول، تحاول قدر الإمكان التحالف مع الغرب وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكيةلصد المد الشيعي الإيراني وذلك بتمويل الأنظمة الموالية لخطها السياسي التي في مجملها أنظمة غير ديمقراطية وفاسدة ومستبدة بشعوبها حتى أصبحت العربية السعودية في سياستها تناقض توجهها الديني السني الذي ينادي بالعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
غير أن هذا الخط الذي تنهجه العربية السعودية أضحى نموذجا فاشلا في السياسة الدولية، حيث اكتشفت نفسها كمحارة فارغة، نظرا لضعف مجتمعها المدني الذي لم يوفق في انتاج الإنسان القادر على الاعتماد على النفس وتطوير كفاءاته العلمية والمهنية، فضلا على وجود اقتصاد ريعي هش مرتبط أساسا بالعائدات البترولية مع الاعتماد شبه التام على العمالة الخارجية، مع عدم القدرة على الدفاع حتى علىالنفس، حيث تستقر بأراضيها قوات أجنبية للدفاع عنها،زيادة على تبديد أموالها في التفاهات وبناء الأبراج العالية بدل الاستثمار في بناء المصانع الثقيلة ووكالات الفضاء التي تضمن الإقلاع الاقتصادي الحقيقي والصلب.
سؤال جدير بالطرح، هل التاريخ سيعيد نفسه، حيث خاضت الدول الأوروبية صراعات وحروب مذهبية عصيبة فيما بينها خلال القرون الوسطى (ق 16،ق 17،ق 18) بين الكاتوليك والبروتستانت خلفت موت الآلاف وتشريد الملايين من البشر.فكانت النتيجة،إزاحة الدين جانبا وخفض مساحة تأثيره على حياة الناس، والاتجاه إلى التركيز على القوانين الوضعية الماديةالنفعية التي تهدف إلى تحسين السبل الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وبالتالي فعقيدتهم غدت هي ضمان الخبز ومناصب الشغل أولى من التصارع على سبل التدين والعبادة.
