يوسف الإدريسي
يحتل الإعلام في تصور المرحوم المهدي المنجرة مكانا جوهريا، لما له من دور حاسم في بناء المجتمعات والرقي بها نحو التقدم والنماء، ذلك أن الإعلام هو أساس المعرفة ومن ثمة كلما ظهرت صحيفة أو أصدرت مجلة أو كتاب أو صيغة جديدة للتعبير وإبداء الرأي، فهذا من شأنه أن يساهم بشكل من الأشكال في توسيع مجال الاختيارات و تعدد الرؤى المتوفرة لعموم الناس.
فقد خلص رحمه الله إلى أن مفهوم الإعلام هو أكبر بكثير مما تحدده المعاجم والقواميس، فهو بحسبه المادة الأولية للمعرفة باعتبارها إعلاما تم تصويره وتشكيله وفق اعتقاد معين، لينحو بعد ذلك في اتجاه تحويل مجتمع الإنتاج الصناعي إلى مجتمع إعلام ومعرفة، فترتب عن ذلك أنه صار مصدر تفاوت وتسلط سياسي وتفوق عسكري وهيمنة اقتصادية وثقافية.
وكأنه بتصوره، كان يرمي إلى الابتعاد عن خندقة الإعلام في بوتقة التعريفات النمطية التقليدية، كونه آلية لتوصيل نشر الأخبار والمعلومات والإعلانات، بل هو مفهوم عميق وحبل وثيق يربط المجتمعات بواقعها المعاصر، وما يعتريه من أحداث ومستجدات سياسية وفكرية واقتصادية وتكنولوجية، للتأثير في الرأي العام وتشكيل توجهاته حيال قضاياه المصيرية.
لكن، بالمقابل قد يلعب الإعلام دورا حاسما لتطويع الشعوب والتأثير في ممانعتها لخدمة أجندات الأنظمة الشمولية عبر أساليب الدعاية والترويج في محاولة لتضليل عقول البشر واتخاذه أداة للقهر على حد قول المنظر البرازيلي باولو فريري. ولنا أن نرى كيف تعامل الإعلام المغربي الرسمي مع بعض الملفات المجتمعية المصيرية وكيف استخدم قضايا أخرى هامشية للتمويه والتعمية كستار من دخان لإخفاء الحقائق عن الرأي العام. ولعل التهميش والإقصاء الذي تعرض له الراحل بمختلف منابر الإعلام الرسمي شاهد على ما سبق ذكره.
أعتقد أن الإعلام بشكل عام إذا لم يكن عاملا فاعلا في أحداث الواقع، قريبا من نبض المواطن المستضعف، مستشرفا لمستقبله، فالأحرى أن يسمى دعاية أو إشهارا أو شيئا من هذا القبيل. لأنه، في عمقه الرسالي، صلة وصل بين الرأي العام ومختلف مكونات مركز القرار تهدف أساسا إلى لفت أنظار المجتمع قصد القيام بإجراءات للتحري عن واقعه وآفاقه، وتقديم سبل للخروج من أزماته حتى في أدق جزئياتها البنيوية غير الظاهرة.
