أخبارنا المغربية - وكالات
دفعت الزيادة الكبيرة في معدلات الغياب المرضي عدداً من الدول الأوروبية إلى مراجعة قواعد الإجازات المرضية، بعدما تحوّل الملف من إجراء اجتماعي لحماية العامل المريض إلى عبء اقتصادي يضغط على ميزانيات الدول والشركات، ويؤثر في الإنتاجية وسير العمل داخل المؤسسات.
وتكشف البيانات المتداولة في أوروبا أن الغياب بسبب المرض لم يعد رقماً هامشياً، إذ تسجل ألمانيا واحدة من أعلى المعدلات، بنحو 15 يوماً مرضياً في السنة لكل عامل، مقارنة بمتوسط أوروبي أقل من ذلك. وترى الحكومة الألمانية أن هذا المستوى من الغياب يضعف القدرة التنافسية، لذلك تتجه إلى تشديد الإجراءات، بينها طلب شهادة طبية منذ اليوم الأول للمرض والحد من الاكتفاء بالإبلاغ الهاتفي.
وتتحرك فرنسا بدورها نحو تنظيم أكثر صرامة للإجازات المرضية، إذ يُنتظر أن تدخل قواعد جديدة حيز التطبيق في شتنبر 2026، تحدد مدة الشهادة الطبية الأولى في 31 يوماً كحد أقصى، على ألا تتجاوز كل فترة تمديد 62 يوماً، إلا إذا قدم الطبيب مبرراً صحياً خاصاً للحالات التي تتطلب مدة أطول.
وتعتمد إيطاليا منذ سنوات مقاربة رقابية أكثر تشدداً، تسمح بإجراء زيارات منزلية خلال الإجازة المرضية للتحقق من التزام الموظف بالتعليمات الطبية، فيما تركز هولندا على مسار مختلف يقوم على إعادة التأهيل والعودة التدريجية إلى العمل، مع إلزام صاحب العمل والموظف بخطة اندماج تحت إشراف طبي، واستمرار دفع جزء كبير من الأجر لمدة قد تصل إلى عامين.
ويؤكد خبراء اقتصاد أن تشديد الرقابة قد يكون مبرراً إذا استهدف الحد من التمارض وسوء الاستخدام، لا التضييق على المرضى الحقيقيين. فالإجازة المرضية تبقى حقاً أساسياً لحماية صحة العامل ورأس المال البشري، لكن الإفراط أو الاستغلال غير المشروع يرفع تكاليف الشركات ويقلل الإنتاجية، خصوصاً في القطاعات الخدمية التي تعتمد على الحضور اليومي.
وتقدّر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الغياب المرضي وتراجع الأداء أثناء المرض يكلفان اقتصادات الاتحاد الأوروبي خسائر تعادل ملايين الوظائف بدوام كامل، ومئات المليارات من اليوروهات سنوياً. لذلك تجد الحكومات الأوروبية نفسها أمام معادلة صعبة: تقليل الخسائر الاقتصادية دون تحويل حق الإجازة المرضية إلى مصدر خوف أو ضغط على الموظفين الذين يحتاجون فعلاً إلى العلاج والراحة.
