"وطني مستقبلي".. مشموم يفكك البرنامج الانتخابي لحزب "الاستقلال" ويكشف رهاناته وأهدافه الكبرى

"وطني مستقبلي".. مشموم يفكك البرنامج الانتخابي لحزب "الاستقلال" ويكشف رهاناته وأهدافه الكبرى

في سياق الاستعدادات للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، قدم الأستاذ أيوب مشموم، الدكتور الباحث وعضو المجلس الوطني لحزب "الاستقلال"، قراءة تحليلية في البرنامج الانتخابي للحزب، الذي اختار له شعار "وطني مستقبلي"، واضعا مضامينه واختياراته السياسية والفكرية أمام النقاش، بعيدا عن القراءة التقليدية التي تختزل البرامج الانتخابية في مجرد وعود وأرقام وإجراءات قطاعية. ويرى مشموم أن كل محطة انتخابية تفرض، إلى جانب متابعة المرشحين والتحالفات وحسابات النتائج، العودة إلى السؤال الأساسي المتعلق بما تقترحه الأحزاب فعليا على المواطنين، وأي تصور للمجتمع والدولة والمستقبل تقدمه مقابل طلب ثقتهم وأصواتهم، باعتبار أن الانتخابات ليست فقط اختيارا بين أسماء وألوان سياسية، وإنما هي أيضا اختيار بين مشاريع وأولويات والتزامات مختلفة لتدبير الحاضر وبناء المستقبل.

ومن هذا المنطلق، أطلق مشموم سلسلة من المقالات تحت عنوان "البرنامج تحت المجهر"، مخصصا إياها لتفكيك البرنامج الانتخابي الذي قدمه حزب "الاستقلال" للاستحقاقات التشريعية المقبلة، مؤكدا أن الغاية ليست إعادة صياغة مضامين الوثيقة أو تقديم ملخص تقني لما ورد فيها، وإنما محاولة الاقتراب من فلسفتها وفهم اختياراتها والأهداف التي تقف خلف مقترحاتها، وربطها بالإشكالات التي يعيشها المواطن المغربي في حياته اليومية. وبعبارة أخرى، تسعى هذه القراءة إلى الانتقال من سؤال "ماذا يقترح حزب الاستقلال؟" إلى أسئلة أكثر عمقا من قبيل: لماذا يقترح ذلك؟ وما المشكلة التي يريد معالجتها؟ وما الذي يمكن أن يتغير في حياة المواطن إذا تحولت هذه الالتزامات إلى سياسات عمومية فعلية؟

ويعتبر مشموم أن أول ما يلفت الانتباه في برنامج "وطني مستقبلي" هو وضعه داخل إطار فكري وسياسي واضح يستند إلى مفهومين مركزيين في المرجعية التاريخية لحزب "الاستقلال"، وهما "الاستقلالية" و"التعادلية". فالاستقلالية، وفق هذه القراءة، تتجاوز المعنى التاريخي للاستقلال لتشمل استقلالية الدولة في قرارها السيادي، واستقلالية المواطن عن الفقر والهشاشة والتبعية، فضلا عن استقلالية الاقتصاد الوطني عن الاختلالات التي قد تسمح بتركز الثروة والفرص في يد فئات محدودة. أما التعادلية، فتقوم على البحث عن توازن بين دينامية الاقتصاد ومتطلبات العدالة الاجتماعية، وبين خلق الثروة وضمان توزيع أكثر إنصافا لثمارها. ومن هنا، فإن شعار "وطني مستقبلي" لا يقدم، بحسب مشموم، باعتباره مجرد عنوان انتخابي، وإنما كرسالة سياسية أوسع تتعلق ببناء وطن يستطيع فيه المواطن أن يتطلع إلى مستقبله بثقة، وأن يجد فرصا للارتقاء وأسبابا لتعزيز الانتماء.

وفي السياق ذاته، اختار حزب "الاستقلال"، وفق القراءة المقدمة، أن يبني جزءا أساسيا من برنامجه على خمسة محاور كبرى، إلى جانب ميثاق خاص بالشباب، بدل الاكتفاء بالتقسيم القطاعي التقليدي الذي ينتقل من التعليم إلى الصحة والتشغيل والسكن وغيرها. ويتعلق الأمر بالحفاظ على منظومة القيم وتقوية تماسك وصمود الأسرة، ومحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، وتحسين القدرة الشرائية للأسر وتقوية الطبقة الوسطى، ودعم وتقوية أدوار المرفق العمومي في إطار دولة الرعاية، ثم تعزيز السيادة الاستراتيجية. ويكتسي هذا الاختيار، في نظر مشموم، دلالة سياسية مهمة، لأن هذه القضايا تبدو مترابطة فيما بينها؛ فالأسرة لا يمكن فصلها عن القدرة الشرائية، وهذه الأخيرة ترتبط بالإنتاج والتوزيع والمنافسة والأجور، فيما لا تنفصل محاربة الفساد والريع عن جودة المرفق العمومي وتكافؤ الفرص. كما أن مفهوم السيادة لم يعد محصورا في الحدود والقرار السياسي، بل أصبح مرتبطا بقدرة المغرب على تأمين حاجياته الأساسية، خصوصا في مجالات الماء والغذاء والطاقة والدواء والبيانات والقدرات الصناعية والتكنولوجية.

وتقوم فلسفة "البرنامج تحت المجهر" على الانتقال من الشعارات إلى مساءلة الأدوات والنتائج المتوقعة، إذ يرى مشموم أن التعامل مع كل محور ينبغي أن ينطلق من الفكرة قبل الإجراء، ومن الهدف قبل الرقم، ومن الأثر المتوقع قبل الشعار. ففي موضوع الفساد والريع وتضارب المصالح، لا يكفي إعلان موقف أخلاقي من هذه الظواهر، بل ينبغي مساءلة الأدوات التي يقترحها البرنامج للانتقال من الإدانة إلى الوقاية والمحاسبة، خصوصا أن الوثيقة تنظر إلى الفساد والريع والاحتكار باعتبارها اختلالات لها كلفة مباشرة على المواطن، تظهر في الغلاء وتراجع جودة الخدمات وغياب تكافؤ الفرص. وبالمثل، فإن تناول القدرة الشرائية لا يقتصر على الحديث عن الأسعار، وإنما يفتح النقاش حول العلاقة بين الإنتاج والتوزيع والمنافسة والأجور والطبقة الوسطى، بينما يقود محور المرفق العمومي إلى مساءلة النموذج المقترح للصحة والتعليم ودولة الرعاية، في وقت يوسع فيه محور السيادة الاستراتيجية مفهوم السيادة ليشمل الأمن المائي والغذائي والطاقي والصحي والرقمي والصناعي.

وتحمل هذه القراءة، في جانب آخر، رسالة سياسية تتجاوز برنامج حزب "الاستقلال" نفسه، وتتعلق بضرورة استعادة البرامج الانتخابية لموقعها الحقيقي في النقاش العمومي، حتى لا تتحول الاستحقاقات إلى مجرد سباق حول الأسماء والتحالفات وحسابات الفوز والخسارة. فالمواطن، وفق هذا التصور، من حقه أن يعرف قبل الإدلاء بصوته ما الذي يعرضه عليه كل حزب، وما الأولويات التي يضعها، وما الالتزامات التي يتحمل مسؤوليتها، كما أن البرنامج الانتخابي لا ينبغي أن تنتهي وظيفته بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، بل يفترض أن يتحول إلى مرجع لمساءلة المنتخبين وقياس المسافة بين ما تم الالتزام به وما تحقق على أرض الواقع. وفي هذا الإطار، يؤكد مشموم أن الهدف من سلسلته ليس توجيه المواطن نحو اختيار سياسي محدد، وإنما تقديم عناصر إضافية تساعده على فهم البرامج ومقارنتها ومناقشتها وتكوين موقف مستقل منها، بما يجعل الاختيار الانتخابي قائما على المعرفة والمساءلة.

ومن المنتظر أن تنطلق السلسلة، ابتداء من السبت المقبل، بوضع المحور الأول من برنامج "وطني مستقبلي" تحت المجهر، من خلال البحث في أسباب اختيار الأسرة ومنظومة القيم كنقطة بداية للتصور الذي يقدمه حزب "الاستقلال" للمغرب المقبل، وطرح سؤال العلاقة بين حماية الأسرة وبناء النموذج المجتمعي الذي يتطلع الحزب إلى ترسيخه. وبعد ذلك، ستنتقل الحلقات تباعا إلى ملفات الفساد والريع وتضارب المصالح، ثم القدرة الشرائية والطبقة الوسطى، فالمرفق العمومي ودولة الرعاية، وصولا إلى السيادة الاستراتيجية، في محاولة لقراءة البرنامج كوحدة متكاملة بدل التعامل مع مقترحاته بشكل منفصل. وبين هذه المحاور، يبرز سؤال مركزي سيحكم هذه السلسلة: أي مغرب يريد برنامج "وطني مستقبلي" أن يبني؟ وهل تستطيع الاختيارات التي يقترحها حزب "الاستقلال" الانتقال من مستوى التصور والالتزام الانتخابي إلى سياسات عمومية ملموسة تستجيب لتحولات المجتمع وانتظارات المواطنين؟ وهو السؤال الذي ستسعى حلقات "البرنامج تحت المجهر" إلى تفكيكه تباعا.


أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.