أخبارنا المغربية - وكالات
تتجاوز الطاقة المتجددة اليوم موقعها التقليدي كمجرد خيار بيئي، لتتحول إلى أحد المحركات الرئيسية لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وسلاسل الإنتاج والتجارة. وتُظهر أحدث التقديرات أن الاستثمارات العالمية في الطاقة ارتفعت إلى نحو 3.3 تريليون دولار في 2025، يذهب منها حوالي 2.2 تريليون دولار إلى مجالات الطاقة النظيفة، مثل المتجددة والشبكات والتخزين والكهرباء منخفضة الانبعاثات، أي ما يعادل ضعف ما يُستثمر تقريباً في النفط والغاز والفحم.
وفي هذا السياق، تقوم فكرة الطاقة المتجددة على مصادر طبيعية تتجدد باستمرار، مثل الشمس والرياح والمياه والحرارة الجوفية، لكن أهميتها الجديدة لا ترتبط فقط بكونها “نظيفة”، بل بكونها تكنولوجيا تنخفض كلفتها مع التوسع والابتكار. وتفيد الوكالة الدولية للطاقة المتجددة بأن كلفة الكهرباء من مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية واسعة النطاق انخفضت عالمياً بنحو 88% بين 2010 و2021، كما تراجعت أسعار ألواح الطاقة الشمسية بحوالي 90% منذ نهاية 2009، ما جعل هذا المصدر من بين الأكثر تنافسية في عدد كبير من الأسواق.
كما أعاد هذا التحول ترتيب المفاهيم الاقتصادية التي رافقت النقاش البيئي خلال العقود الماضية. فالاقتصاد الأخضر وضع هدف تقليل الضرر البيئي، والاقتصاد الدائري ركز على إعادة الاستخدام وتقليص النفايات، والاقتصاد الأزرق اهتم باستدامة الموارد البحرية، غير أن التحول الجاري يضع الطاقة نفسها في قلب المعادلة، باعتبارها البنية التي تحدد أين تُبنى المصانع، وكيف تُدار سلاسل القيمة، ومن يملك ميزة الكلفة في الصناعات الجديدة. وهذا ما يفسر اتساع الرهان العالمي على الشبكات الكهربائية والتخزين والتصنيع المرتبط بالطاقة النظيفة.
ومن جهة أخرى، تبرز الصين بوصفها اللاعب الأثقل في هذا المسار، إذ أشار تحليل حديث إلى أن استثماراتها في قطاعات الطاقة النظيفة بلغت 6.8 تريليون يوان، أي نحو 940 مليار دولار خلال 2024، في رقم يعكس الحجم الذي بلغه هذا التحول داخل ثاني أكبر اقتصاد في العالم. كما توضح الوكالة الدولية للطاقة أن الصين استحوذت على نحو ثلث الاستثمارات العالمية في الطاقة النظيفة، وتظل أكبر سوق عالمي للطاقة المتجددة وأكبر مصنع لمعظم تقنياتها.
وفي المقابل، لا تسير هذه الطفرة بلا تحديات، إذ خفّضت الوكالة الدولية للطاقة توقعاتها لنمو القدرات المتجددة عالمياً بين 2025 و2030 بنحو 5% مقارنة بتقديراتها السابقة، بسبب تغييرات تنظيمية وسياساتية وسوقية في بعض الاقتصادات الكبرى. ومع ذلك، ما زالت التوقعات تشير إلى إضافة نحو 4600 غيغاواط من قدرة الكهرباء المتجددة خلال هذه الفترة، تقودها الطاقة الشمسية بالدرجة الأولى، بما يؤكد أن مسار التحول مستمر رغم تباطؤه النسبي في بعض الأسواق.
أما اقتصادياً، فلم يعد السؤال يدور حول ما إذا كان العالم سيتجه إلى الطاقة المتجددة، بل حول أي الدول ستنجح في إدارة هذا التحول بكفاءة أكبر. فالتنافس بات يشمل التصنيع، والشبكات، والتخزين، وسرعة الترخيص، والقدرة على اجتذاب رؤوس الأموال، وهو ما يجعل الطاقة المتجددة عاملاً مباشراً في تحديد مواقع النفوذ الصناعي والتجاري خلال السنوات المقبلة.
