عين الشق تشعل دورة مجلس مدينة الدار البيضاء..ملاسنات حادة واتهامات متبادلة بين مستشار ورئيس المقاطعة

أجواء احتفالية رائعة للجماهير الاسكتلندية في شوارع بوسطن قبل مواجهة الممنتخب الوطني

فين مشات فلوسي؟.. صرخة عامل توصيل ضاعت منه 5 ملايين سنتيم تقلب منصات التواصل بالمغرب

الجالية المغربية تلهب شوارع بوسطن وتوجه رسالة حماسية لـ"الأسود" قبل الموقعة الحاسمة ضد اسكتلندا

بمعدل 19.17.. التلميذ الطنجاوي أكرم لحلو يوجه رسالة قوية للشباب ويكشف عن وجهته الجامعية

قصة نجاح ملهمة.. كيف تغلبت التلميذة عائشة العشاق على التحديات لتحرز 19.53 بالباكلوريا

بوسحابة يكتب.. توكل كرمان تنقلب على الجزائر.. ماذا تغير بين اليوم والأمس القريب؟

بوسحابة يكتب.. توكل كرمان تنقلب على الجزائر.. ماذا تغير بين اليوم والأمس القريب؟

أخبارنا المغربية- عبد الإله بوسحابة

مفارقة لافتة في توقيتها تلك التي أبرزتها رسالة حديثة نشرتها الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، عبر صفحتها الرسمية على الفيسبوك، أعلنت من خلالها تضامنها مع المحامية الجزائرية لطيفة ديب المحكوم عليها بأربع سنوات سجناً.

هذه الطفرة اللافتة في موقف كرمان جاءت عقب حكم أصدرته محكمة الجنح في سيدي محمد بالجزائر العاصمة، يقضي بسجن ديب لمدة أربع سنوات حبساً نافذاً، إضافة إلى غرامة مالية قدرها 200 ألف دينار جزائري، وذلك على خلفية منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي اعتبرتها السلطات الجزائرية "مساساً بالمصلحة الوطنية ورموز الجمهورية".

غير أن فهم دلالة هذا الموقف لا يستقيم بمعزل عن السياق الذي سبقه، وهو سياق يطرح أسئلة جدية حول طبيعة التحولات في خطاب كرمان ومواقفها الإقليمية.

ففي أكتوبر 2025، أبدت الناشطة حماساً لافتاً إزاء احتجاجات شباب المغرب (جيل زاد)، بل تجاوزت حدود التعليق المعتاد لتتحدث عن اقتراب المظاهرات من "القصر الملكي"، في موقف اعتبره مراقبون كثيرون أقرب إلى التحريض على زعزعة الاستقرار منه إلى الدفاع عن حقوق الإنسان. وفي المقابل، غاب صوتها تماماً عن ملفات الحريات في الجزائر طوال الفترة ذاتها، وهو غياب لا يمكن تفسيره بالصدفة حين يتقاطع مع جملة من المعطيات الإقليمية التي ربط فيها بعض المراقبين نشاطها المتزايد في قضايا بعينها بتقاطع مصالحها مع أطراف إقليمية، في مقدمتها الجزائر.

وللوقوف على حجم هذه الانتقائية والتناقض في مواقف اليمنية "كرمان"، يكفي استحضار بعض المحطات الموثقة في مسارها. ففي عام 2019، حين اعتقلت السلطات الإماراتية الناشطة لجين الهذلول، كان صوت كرمان حاضراً بقوة، وهو موقف مشروع في ذاته. غير أن اللافت هو الصمت المديد الذي اختارته حيال قضايا مماثلة في الجزائر، حيث يتجاوز عدد المعتقلين السياسيين الموثقين من قِبل منظمة العفو الدولية المئتي شخص منذ عام 2019، دون أن تُفرد لهم كرمان ولو منشوراً واحداً طوال تلك السنوات.

والأكثر دلالةً طريقة تعاملها "الانتقائية" مع ملف الصحراء المغربية؛ إذ أسهمت في فعاليات داعمة للموقف الجزائري من هذا النزاع، في حين لم تُبدِ أي اهتمام مماثل بالنزاعات الحدودية أو حقوق الأقليات في دول محسوبة على المحور الآخر. هذا التوزيع الجغرافي لاهتماماتها لا يمكن رده إلى مجرد أولويات شخصية، بل يرسم خريطة واضحة المعالم لمناطق الصمت ومناطق الصوت.

يُضاف إلى ذلك أن كرمان، بوصفها عضواً في مجلس رقابة ميتا منذ عام 2020، تمتلك منبراً استثنائياً للتأثير في سياسات حرية التعبير الرقمي على المستوى العالمي. وهو ما يجعل انتقائيتها أشد وطأةً، لأنها لم تعد مجرد ناشطة تعبّر عن رأي، بل باتت طرفاً في صياغة معايير ما يُسمح بقوله وما يُحجب — وهو موقع لا تحتمله الازدواجية.

هذه القراءة تُلقي بظلالها الثقيلة على توقيت "اكتشاف" كرمان المفاجئ لمظالم الجزائريين وحرياتهم. والمفارقة الحقيقية في هذا الملف لا تكمن في موقف كرمان وحده، بل في شخصية لطيفة ديب ذاتها. فديب كانت معروفة إعلامياً بمواقفها المؤيدة لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وقيادة الجيش، وخلال جلسات المحاكمة دافعت عن نفسها مؤكدةً أن منشوراتها كانت تهدف إلى دعم مؤسسات الدولة لا الإساءة إليها. بمعنى آخر، نحن أمام حالة نادرة تكشف عن هشاشة الخطوط الفاصلة في الجزائر بين "الولاء المسموح به" و"التجاوز المعاقب عليه"، إذ انتقلت ديب بشكل مفاجئ من موقع الشاهدة وطارحة الأسئلة إلى دائرة الاتهام المباشر، في مشهد يختزل أزمة الحريات في الجزائر بكل تناقضاتها.

ويبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل تمثل رسالة كرمان اليوم انعطافة مبدئية حقيقية نحو الدفاع عن الحريات في المنطقة بأسرها، أم أنها استمرار لنمط انتهازي يتحرك وفق حسابات التحالفات لا وفق ثوابت المبادئ؟ المتابع الموضوعي يجد نفسه مضطراً للتساؤل: لماذا الآن؟ ولماذا الجزائر تحديداً في هذا التوقيت بالذات؟

قضية لطيفة ديب تستحق الدفاع عنها بمعزل عن هوية المدافع ودوافعه، فتجريم حرية التعبير جريمة بصرف النظر عمّن يرتكبها. لكن الناشطين الدوليين من أمثال كرمان لا يملكون رفاهية الانتقائية في اختيار الضحايا وفق خريطة مصالحهم الإقليمية. فلقب "جائزة نوبل للسلام" يحمل ثقلاً أخلاقياً والتزاماً عاماً، باعتباره توقيعاً رمزياً على أن حامله يقف إلى جانب الحق والحوار في كل مكان وزمان، لا حين تقتضي الحسابات ذلك فحسب.

والأجدى في تقييم شخصية من وزن كرمان ليس قياسها بموقف بعينه مهما بدا نبيلاً، بل بمدى الاتساق والتناسق في مواقفها عبر الزمن وعبر الجغرافيا. وهو اتساق تبدو فجواته — حتى اللحظة — أكبر من أن تسترها رسالة فيسبوكية واحدة، مهما حملت من كلمات رنانة عن الحرية والكرامة.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات