محمد السوسي
الحديث عن مرحلة مهمة من تاريخ نضال الشعب المغربي هو ما لا نزال نستحضره في هذه الأحاديث، وذلك إيمانا بأن تلك المرحلة مؤسسة للمراحل التي جاءت فيما بعد، إذ هي المرحلة التي وضعت أسس المشروع المجتمعي الذي من شأنه أن ينقل المغرب إذا نفذ من مرحلة الاستعمار والقابلية للاستعمار إلى مرحلة الاستقلال والحرية، رغم وجود الأجنبي في إطار ما اتفق عليه لتقديم المساعدة التقنية والفنية في مجالات محددة سلفا، ولا مانع حين انجازها من الاستغناء عن هذه الخدمات، ولذا فقد رأى دهاقنة الاستعمار أن انجاز هذه المطالب معناه إنهاء الوجود الاستعماري في البلاد ونحن إذ نطرح هذه المطالب بعد ثمانين سنة من وضعها فإننا لا نحاسب الحماية كما حاسبها الوطنيون حينها ولكن نسائل بل نحاسب ما بعد الاستقلال بثمان وخمسين سنة ماذا تم تفعيله من هذه المطالب؟ وكيف تعامل العهد الجديد كما كنا نسمع عن مرحلة ما بعد الاستعمار بهذه المطالب؟
إننا في كثير من المراحل التي تم فيها وضع قضية الحريات العامة والفردية في مغرب ما بعد الاستقلال نتساءل هل عجز مغرب الاستقلال عن التجاوب مع طموحات المناضلين وهم يقاومون الاستعمار؟ بل إننا نقارن بعض التشريعات الجديدة مع ما طالب به الوطنيون الحماية من قبيل ما هو ممكن، فنجد أنها بعيدة عن طموحات مناضلي الثلاثينات من القرن العشرين.
لقد كان الفكر الوطني متقدما وكان المسؤولون فيما بعد الاستقلال مكبلين بواقع لم يفلحوا في تجاوزه، من أجل تنفيذ مطالب الثلاثينيات، ونحن هنا لا نتحدث عن الأشياء التي سقطت بمجرد إلغاء الحماية وهي ما يعني امتيازات الأجانب.
ولكن ألم يحل بعض الناس محل الأجنبي فيما وفروه لأنفسهم وذويهم بمثابة ما وفره الأجانب لأنفسهم وذويهم؟ انه سؤال وغيره كثير سنعرف الإجابة عنه بعد طرح نصوص بعض المطالب ولنتابع اليوم التحليل الذي وضعه الوطنيون في مقدمة المطالب.
***********
معركة الهوية
في الحديث الأخير تناولنا مكانة اللغة العربية ضمن مطالب الشعب المغربي التي تقدم بها ممثلوا الحركة الوطنية المغربية إلى جلالة الملك محمد الخامس والى الإقامة العامة ووزارة الخارجية الفرنسية، وتقبلها جلالة الملك وجعلها ضمن برنامجه في تنسيق كامل مع الوطنيين المغاربة، ولقد بقيت هذه المطالب وفي مقدمة أولوياتها إيلاء اللغة العربية المكانة التي تستحقها، وما أن ظفرت البلاد بالاستقلال حتى كان وضع اللغة العربية ما نراه ونعيشه لا ما نقوله ونردده.
وهكذا يتضح أن المعركة من أجل الهوية معركة طويلة وشاقة، لأن الصراع ليس سهلا ولا هينا مع عدو شرس وقوي ولاسيما إذا اتخذ من أهل الدار بطانة وأنصارا.
تحالف المصالح
ذلك إذ أن المعركة ليست مع الأجنبي فقط، فهي انتقلت إلى قوى داخلية صنعها وأمدها بوسائل الدفاع عنه وعن لغته فأكثر الناس اليوم الذين يدافعون عن لغة المستعمر القديم هم من ترتبط مصالحهم الاقتصادية مع مصالح الأجنبي، لأن اللغة إذا كانت تحمل معها الفكر والتوجه لصاحب اللغة الأصل وتكون وعاء لحضارته وثقافته وما تختزنه هذه الحضارة والثقافة من مخزون فكري معين نما مع نمو هذه اللغة أو اللغة هي التي واكبته ونمت معه، فإن هذا التراث والمخزون الحضاري يتبناهما من يدافع عن لغة الأجنبي لأنه تشبع بهما مع ما تعلمه من كلمات ومفردات وهكذا يدخل الكثيرون في حظيرة الاستيلاب اللغوي والفكري وقوت هذه الحضانة الفكرية التي يقع هؤلاء الناس ضمنها بمصالح اقتصادية ومالية حيث جمعت الوشائج المادية والنفعية بين الأجنبي والمواطن المستلب، وأصبحت بسبب هذا كله المعركة شديدة الوطأة، بين اللغة العربية وخصومها بالأمس لأن جزء مهما من أنصارها بالأمس أصبح في صف خصومها اليوم.
الإصرار والتراجع
ولذلك فلا نستغرب إذا وجدنا اليوم إصرارا من لدن البعض في التراجع عن بعض المكاسب التي كسبتها اللغة العربية خلال معركتها بعد الاستقلال وطيلة عهد الحماية في مجال التعليم، حيث أصبح اليوم بفعل التآمر الأجنبي واتخاذ وسائل الإعلام وبعض المنتفعين كما أسلفنا للدفاع عن أبعاد اللغة العربية تارة باسم التقنية وأخرى باسم الانفتاح وطورا باسم استعمال لغة الأم التي تعني (الدارجة)، وهنا نجد من يأخذ هذه الحجة ليقول فلتكن الأمازيغية وهكذا يصح موضوع التوافق هو الابتعاد عن الاثنتين ويكسب المستعمر القديم على حسابهما معا، وهذا ما سبق تأكيده في الحديث السابق. وهذا ما أصبح موضوع افتتاح لدى ذوي النية الحسنة من طرف النشطاء الامازيغيين ولدى المدافعين عن اللغة العربية في وجع الاستعمار اللغوي.
ليس للتاريخ
وفي حديث الجمعة لهذا الأسبوع نواصل الكلام للتذكير بما جاء ضمن هذه المطالب ليس من أجل التاريخ فقط لأننا نحيي سنة التقديم والتحرير لهذه المطالب، وان كان هذا في حد ذاته شيئا مطلوبا ومرغوبا، ولكن كذلك من أجل مقارنة الأمس باليوم، لقد أصبح من التقليد المتبع لدى الناس أن يحاسبوا الحكومات والمسؤوليين على ما تم انجازه من برنامجهم خلال مدة مائة يوم، ولكن محاسبة النفس ومحاسبة المسؤولين بالنسبة لهذه المطالب تمت من خلال ما التزمت به الإدارة الفرنسية بعد اثنين وعشرين سنة من فرض عقد الحماية حيث أمهلتها هذه المدة نتحاسبها وبعد عشر سنوات حاسبتها كذلك ووجدت أن شيئا لم يسير في الاتجاه الصحيح لتعلن بعد ذلك الموقف الجديد في سنة 1944.
حيثيات الحسابات
وإذا كانت حيثيات وثيقة 11 يناير 1944 هي التي أعلنت إفلاس نظام الحماية فإن وثيقة المطالب جاء في المقدمة التي صدرت بها المطالب وهي بمثابة خلاصة لحيثيات كثيرة أملت تقديم هذه المطالب فإن ثمانين سنة منذ تقديمها وحوالي ستين سنة (58 سنة) منذ الاستقلال تفرض علينا محاسبة عهد الاستقلال ليس عن برنامج الحكومات المتعاقبة ولكن عن القضايا والمطالب الملحة التي طرحت منذ ثمانين سنة وهي لا تزال تنتظر أن تجد طريقها نحو التفعيل والانجاز.
حرب ظالمة
ونعود لما جاء في المقدمة قبل أن نتناول بعض ما جاء في هذه المطالب تقول:
لقد أسدل الأمن على سائر أطراف المملكة وانشرح المغاربة انشراحا لا يكدره إلا ذكرى مرارة ما يراه المغربي مفقودا أو مداسا من الوسائل السياسية السليمة التي كان في استطاعة الإدارة إتباعها في كثير من الأحيان والتي لو اتبعتها لحققت بها كثيرا من الدماء، وما يراه أيضا من الأنظمة الاستثنائية والمعاملات الشاذة التي لا زالت خاصة بأمته، والتي تسبب الاستياء العام».
وحول ما أنجز تقول المقدمة:
اعتراف ونقد
وقد خطا المغرب خطى واسعة في سبيل تجهيزه تجهيزا عصريا، بتخطيط الطرق ومد السكك الحديدية، وتشييد البنايات الإدارية، فالمغاربة ينشرحون لهذا التجهيز، ويعترفون بمجهودات الحماية في سبيله، وإن كانوا ينتقدون من جهة عدم السير بحكمة في وضع برنامج هذا التجهيز، وسلوك سياسة جبائية مشطة مع الأفراد في فرض القروض الباهضة على الدولة والأمن ويلاحظون من جهة أخرى أن فائدة هذا التجهيز عادت بالأخص على الاستعمار وعلى الشركات الرأسمالية، في الوقت الذي لم يستفد منه أبناء البلاد إلا بطريق غير مباشر وفي نفس الوقت ينتقدون على الإدارة إغفالها –أثناء التجهيز المادي- ترقية الشعب المغربي من الوجهة العلمية، ورفع مستواه الفكري إلى الدرجة التي تتناسب مع تضحياته ورغباته».
العنصرية
وعن السياسة العنصرية التي اتبعتها إدارة الحماية تقول المقدمة
يرى المغاربة أن أتباع الإدارة لسياسة الامتيازات العنصرية هو الذي جعلها تهمل وسائل ترقيتهم، في الوقت الذي تكفل فيه للنزالة الأوروبية كل وسائل الراحة والسعادة فشيدت لها المدارس والمستشفيات والمحاكم، وأسست لها المجالس وفتحت لها الهيآت الإدارية، وبذلت لها المساعدات وضمنت لها مصالحها المادية، وحقوقها المدنية، وحريتها الشخصية حتى أصبحت العنصر الممتاز المختار في البلاد المغربية».
الحماية في خدمة الأجانب
لم تفرض معاهدة الحماية على الدولة الحامية بسط الأمن في البلاد وتجهيزها العصري من أجل الأجانب ولم يقبلها المغرب لمعاهدة استعمار واستغلال في سبيل الجالية الأوروبية ولكنها أسست على مبدأ تنظيم المغرب من الناحية المادية والعلمية بكيفية تضمن رقى الأمة الحقيقي وتعزز أركان الدولة المغربية فهل رعت الحماية تعهداتها أو حافظت على مصالحها وحقوقنا في التشريع وفي التنظيمات الإدارية؟؟»
انجاز مبتور
والمقدمة تجيب الفرنسيين الممتنين على المغاربة ما أنجز لتبين أن كل ما أنجز كانت الغاية منه خدمة مصالح الفرنسيين.
لا نقول أن الإدارة لم تقم بعمل ما لفائدة المغاربة فإنهم استفادوا بطريق غير مباشر من الأعمال التي قصد بها غيرهم كما استفادوا بطريق مباشر من الأعمال التي جعلت من أجلهم كبناء بعض المستشفيات وبعض المدارس، وإحداث بعض المؤسسات المختلفة.
ولكن لا نكون مقصرين في البيان إذا قلنا: أن العمل الذي قامت به الإدارة من أجل المغاربة لا يكاد يذكر إذا قسناه بما كان يجب أو يكون نظرا لتعهدات الدولة الحامية وقابلناه بما فرض على المغاربة من ضرائب وتكاليف وما أضاعوه من أرض وثروة وما خسروه من جاه وسيادة.
لا مبالغة
على أننا في ملاحظاتنا نعترف بأنه لم يكن من السهل إصلاح كل الأنظمة العتيقة في ظرف اثني وعشرين سنة ولهذا لا نطالب الحكومة إلا بما كان واجبا عليها أن تفعله خصوصا ونحن نرى ما قامت به من الأعمال في سبيل الجالية الأوروبية، ألم يكن في استطاعة الحكومة –على الأقل- وضع برنامج لسياستها العامة، والإصلاحات الهامة، والشروع في تنفيذه، وإعداد الرجال له؟»
النخبة المجاهدة
وتتحدث المقدمة عن المجموعة التي حضرت المطالب وأنها النخبة الواعية في البلاد والمجاهدة من أجل الوطن ونقدمه كما تتحدث عن الأسلوب الذي نهجته من أجل انجاز هذه المطالب.
«وقد استخلصت الكتلة العاملة المغربية –التي تضم النخبة المجاهدة في البلاد– هذه المطالب المحتوية على تعريف ضمني بالسياسة المنتقدة، والتصرف الاستثنائي من مجموعة العرائض والشكايات والمطالب الجزئية التي رفعها الشعب في أوقات مختلفة لجلالة السلطان وللحكومة».
استشارة الشعب
«وقبل إعطائها صيغتها النهائية عملت على الاتصال بمختلف طبقات هذه الأمة في حواضرها وبواديها وهكذا استطاعت أن تدرس نفسية الشعب وأن تعرف الفكر العام معرفة كاملة وعلاوة على ذلك فقد وردت عليها شتى الرسائل في الإعراب عن حاجة البلاد الماسة إلى نظام صالح يحفظ حقوق المغاربة ومصالحهم أمة وأفرادا ويسير بهم في صراط التقدم المستقيم وقد حرصت الكتلة عند وضع هذه المطالب على إيجاد حلول للمشكلات الحاضرة يتيسر معها تحسين العلائق بين مختلف العناصر المتساكنة في البلاد وتضمن للجميع مصالحهم والمحافظة على حقوقهم المشروعة ضمن الأوقاف الدولية، وطبقا للحماية كما تقتضيها المعاهدات وتسمح بها في حدود القانون الدولي».
التعجيل
والكتلة ترى أن مطالبها ضرورة ملحة، وأنها يجب وضعها موضوع التنفيذ في الحين ولا يمكن التعلل بالوقت أو بأنها مطالب تعجيزية فهي ترى أنه ومهما يكن من الأمر فيم يرجع لتحقيقها المعجل أو المؤجل فالمطالب التي نقدمها اليوم، كلها ضرورية، وأنها أضمن وسيلة لرقي الأمة وتحقيق أمانيها.
التوفيق
هذا وإننا لم نكن في هذه المطالب حريصين على شيء حرصنا على التوفيق بين رغبات الشعب الحقيقية ومصالحه الثابتة من جهته، والأوفاق والمعاهدات التي يراعيها جلالة الملك المفدى من جهة أخرى مع الاقتصار على ما هو – في الواقع- ضروري للمغرب في طوره الحالي.
وعسى أن يكون برنامجنا هذا برهانا للحكومة على حسن الغاية التي ترمي إليها حركتنا، وعلى أن ما نتمناه هو أن تتوفق الحكومة لسلوك سياسية رشيدة تصلح ما أفسدته الغلطات السابقة وتعيد للأمة الثقة في حسن نوايا الحماية».
خدمة الوافدين
وقبل أن تدخل الكتلة في تقديم برنامجها التفصيلي تشرح في المقدمة بعض الدوافع التي دفعتها لتتقدم بما تقدمت به من المطالب الملحة والضرورية تقول:
«ففي ميدان العدلية مثلا –والعدلية مثلا- والعدالة أقدس حقوق البشر- لم تجد الحماية سنة 1912 –بقطع النظر عن المحاكم القنصلية- أثر لمحاكم فرنسية، ولا لعدلية فرنسية يصح أن يطلق عليها هذا الاسم ولم تلبث أن شيدت لها البنايات الشاهقة، وأن نظمتها تنظيما يغار منه رجال القضاء بفرنسا نفسها وخصصت للموظفين فيها المرتبات العالية والتعويضات الكثيرة، كل ذلك من ميزانية الدولة المغربية فماذا فعلت الحماية فيها يرجع للعدلية المغربية، وقد وجدتها قائمة الذات، يتحاكم إليها ملايين من المغاربة والأجانب أنفسهم في كثير من القضايا؟»
عدلية على الهامش
إن العدلية المغربية لا تزال إلى اليوم على هامش الميزانية العامة، فالقواد والقضاة لا يتقاضون أجورا ثابتة، وليست لهم أنظمة ولا ضمانات.
إن العدلية المغربية لا تزال فاقدة لكل نظام من ناحية التشريع، ومن ناحية السيطرة، ومن ناحية التنفيذ.
إن القواد والقضاة لا زالوا يحكمون بأبواب دورهم وكثيرا ما يكترون المحاكم من مالهم، ويسجنون في الأروية مع البهائم في المدن وفي المطامير في البادية.
إن السلطات القضائية والتنفيذية والإدارية كثيرا ما تجتمع في يد الشخص الواحد، وكثيرا ما تختاره الإدارة من بين الأميين الذين يجهلون كل شيء عن القضاء وعن التنفيذ وعن الإدارة.
ألم يكن في استطاعة الإدارة عدم توظيف الأميين في منصب القضاء؟
وهلا استطاعت إعداد قضاة وقواد المستقبل مثل ما هو الشأن في جميع الدول، مع وضع برنامج الإصلاح العدلية المغربية وتأسيس محاكم عصرية تقوم بتنفيذه على سبيل التدريج.
العدل نموذج
إن ما ذكرناه عن العدليتين الفرنسية والمغربية يصح أن نعيده في باقي الأعمال الإدارية، كالتعليم، والاقتصاد والصحة، والإسعاف، والعمل وغير ذلك، وهذا يبين بجلاء كيف تسود في البلاد سياسة الامتيازات العنصرية ويغفل جانب سكان البلاد الأصليين رغم ما يجب أن يكون لهم من الحقوق كمغاربة وكأغلبية ساحقة في هذه البلاد.
فرق تسد
لم تكتف الإدارة بتمييز العنصر الأوروبي على المغربي بل أرادت إتباع سياسة التفرقة بين المغاربة أنفسهم فأحدثت أنظمة شاذة كالنظام المبني على السياسة البربرية لتوجيه الأكثرية العظمى في الأمة المغربية نحو الثقافة الفرنسية والقضاء الفرنسي، ولمقاومة الإسلام، والثقافة العربية، ووحدة القضاء المغربي، وسلطته الشريفة ونفوذ جلالة السلطان».
ممثلوا الشعب
وقد كانت الأمة المغربية متضامنة –شيوخا وشبابا- في حركة احتجاجاتها على تصرفات الإدارة، مع كتلة عاملة من أبنائها الساهرين على مصالحها فبرهنت في مختلف المناسبات على شديد ارتباطها بهم وعظيم ثقتها فيهم وتحبيذها لخطتهم.
وقد أصبح مدى هذه الحركة المنتشرة في كل أنحاء البلاد المغربية معروفا لدى كل الناس، وملموسا بالأخص في الدوائر التي يرجع إليها النظر في شؤون هذه البلاد، واعترف كثيرون من رؤساء الإدارة بأن أغلاطا كثيرة قد وقعت في تطبيق نظام الحماية حولتها عن الغاية التي وضعت من أجلها، فخاب أمل الذين كانوا يرون فيها المساعدة والمدد، وشعروا بوجوب العودة إلى العمل من جديد، وتدشين الحماية للمرة الأولى بالمعنى الذي يتفق ومصلحة المحميين وحينئذ فقد أصبح واجبا على الأمة التي طالما انتظرت تغيير الحالة الحاضرة أن تعرف الحكومة بكيفية بينة بالإصلاحات التي يجب تحقيقها لتحسين حالتها العامة.»
تشريع لغير المغاربة
وقد وجدت أثناء تهيئة هذه المطالب أن قسما من الإصلاحات التي تتوق إليها الأمة قد وضع له تشريع منذ زمن بعيد فهي لا تطالب بأكثر من تطبيق ذلك التشريع على المغاربة إذ كثيرا ما يقصر تطبيقه على الجالية الأوروبية مثال ذلك التشريع الخاص بالعمل والحالة المدنية والحريات الشخصية على أن القسم الأعظم من حاجات الأمة المغربية قد أغفله التشريع المغربي، فالكتلة العاملة المغربية تطالب بوضع تشريع له يرضي البلاد، وإتباع خطة رشيدة في تطبيقه، ومن هذا القبيل إصلاحات سهل تناولهاـ يمكن للحكومة تحقيقها في الحين، مثال ذلك ما يرجع للتعليم والسياسة الاقتصادية ولإعانة الفلاحين والصناع الصغار وهناك إصلاحات لا يمكن تحقيقها برمتها دفعة واحدة فيجب على أي حال قبول نظامها المقترح والشروع فيه من سلوك التدريج في إنجازها، مثال ذلك إصلاح العدلية المغربية فهو يقتضي تنظيم المحاكم بكيفية عصرية وتقسيمها إلى درجات وهذا يقتضي إعداد موظفي القضاء الأمر الذي لا يتيسر في زمن قصير، فالواجب في مثل هذا الحال الشروع في إعداد الموظفين القضائيين مع اتخاذ تدابير مؤقتة لضمانة حقوق المتداعين وجعل حد حاسم للظلم والتعدي.
خطوات نحو الرقي
ونحن لا نشك في أن تلبية هذه المطالب تضمن كل ذلك وتخطو بالمغرب خطوة واسعة إلى الرقي في ظل جلالة مولانا الملك سيدي محمد بن يوسف نصره الله كما أنها تجعل مهمة فرنسا بالمغرب محسوسة في الواقع مشرفة للدولة الفرنسية تستحق من أجلها الاعتراف بالجميل، وتسجلها الأجيال القادمة لها خير تسجيل والسلام.
