الطيب آيت أباه
على مدى الربع قرن الذي قضيته من خلف الكونطوار مناديا إلى التحسين من وضعية قطاع التجارة والدفع إلى الأمام بمول الحانوت في سُلّم التنمية ، ما من مُثلِج للصدور يُذكر ، اللهم بعض التويشييّات التي لا تسمن ولا تغني من إفلاس ، لأنها لا تمُس جوهر المطالب الأساسية . بل حتى مشروع رواج الذي كُنّا نُعلّق عليه كثيرا من الآمال بهدف ردّ الإعتبار لهذا الكائن التجاري ، قد شابه هو أيضا نصيبه من الشوائب لينحرف عن مساره ، عندما إستفاذت منه أطراف لا علاقة لها بما جاء من أجله أصلا ، ولطالما إعتقدنا أننا قطعنا مع زيادة الشحمة في ظهر المعلوف ، ليتضح لنا مع الأسف الشديد أن مول الحانوت لم يكن سوى السكين التي دُبحت بها ميزانية سالت دماؤها وتوزعت هبرها على السِّمان .
مؤكد أننا لا نُعمّم لأن نسبة الإستثناء ولضئالتها تبقى دائما هي الشرارة التي تبْعت الأمل ونهتدي بنورها وسط ظلم خيَّم بسواده على القلوب ، وإلاّ فلن يكون هناك من خير يصارع الشر في منظومة الطبيعة ، فحتى القوى العالمية المستبدة التي تتحكم في مصائر الشعوب المستضعفة ، تُقَدّم مصالح ذويها على مصلحة الغرباء ليكون للخير موطىء قدَم في برامجها ، عدا عندنا نحن حيث تُطبَّق العولمة الصارمة بحذافيرها ، ولا أدلّ على جبروت الإقصاء الذي طال مُستحقين كُثُر لمثل هكذا جبر ضرر من سياسة تحديد الشوارع المُرشّحة لإستقبال موكب رواج الذي مر عبرها طبعا ولكن مرور الكرام .
لا يغيب على الجميع أن الهدف الأساسي من برنامج رواج كان هو عصرنة تجارة القرب ، وكلنا نعلم ما تعنيه تجارة القرب ، لأن مول الحانوت هو الكائن التجاري الذي لحقت به أضرار جمّة جرّاء السياسات الإقتصادية الهوجاء والعرجاء ، فكان جديرا بمن يمثلونه أن يحصروا إهتماماتهم به في المستويات التي أعاقها الخلل ، ومن ذلكم مثلا جانبُ الثقة كشقّ موغِل في كُثلة الإستقرار النفسي . الإستقرار الذي يُعدّ بدون منازع عصَب نماء الحضارات وإزدهارها ، ولن يتأتّى لنا إنتاج هذا المؤهّل الفكري بدون تأطير ، وما من تأطير يذكر بدون مؤسسات ، لنعود أدراجنا كما المعتاد إلى مربط الفرس ، ألا وهو العقل المدبر لكل هاته القيم لأن سواعد البناء وعلى مثانة وقوة بِنيتها لابد لها من محرك يقودها نحو الصلاح ، وقديما قيل يد واحدة لا تصفق ليتضح فيما بعد أنها تصرفق .
أعباء كثيرة تراكمت على عاتق مول الحانوت بفعل الوثيرة المتسارعة التي تستلزمها متطلبات التّمدّن ، ضرائب مباشرة وأخرى غير مباشرة تقضّ من مضجعه ، وبالتالي هوْل الترسانة القانونية المُتمخّض عنها تضخيم الواجبات في مقابل تقليص ملحوظ للحقوق ، يترثب عنها إرباك على مستوى المفهوم الحقيقي لهذا الواجب الوطني المُستساغ . فلا تغطية إجتماعية ولا صحية ولا تأطيرية تُولى بنفس العناية ، وجميعنا لاحظنا كيف إنتقلت الحكومة بسرعة قصوى من المادة 145 مكرر إلى 146 مكرر من القانون المالي لسنة 2015 ( بْرّق ما تْقشع ) . لا شكّ أنها لو كانت تعتمد نفس المجازفات فيما يخص المستحقات لكان لمول الحانوت اليوم شأن يُغنيه التذمّر .
إلحاحي المُستمر على ضرورة الأخد بعين الإعتبار الجانب التّوعوي في تنميتنا نحن التجار ، راجع إلى الدراسة الميدانية المتواضعة التي أُشرف عليها بطريقتي الشخصية ، وقد أعادتني لوائح الإنتخابات الخاصة بغرف التجارة والصناعة والخدمات لأُعاود الإحتكاك بإخواننا مجددا ، مالئا فراغ أعوان السلطة بلياقة عالية تكسبني القدرة على إمتصاص الصدمات قبل الرجوع إلى حال سبيلي منهك الأريحية ومُحملا بتراكمات غاية في التناقضات ، فلا يزيدني ذلك بعد قسط من الراحة إلا عزما على المُضيّ قُدُما ، فلست أولا وآخرا إلاّ حبّة من حلاوة هاته الشريحة الملفوفة حول أعناق المسئولين ، كسُبحة غدا ستكون شاهدة عليهم يوم القيامة ، عندما لن ينفع منصب ولا توقيع كل من لاقى ربّه بملف ملغوم .
لقد ملّ الناس من الوعود الجوفاء وسيطر الإحباط على تفكيرهم ، وحتى الإعلام بما فيه المرئي والمسموع قد غيّب هاته المرحلة المهمة من تفاصيله المملة ، فلم يساهم بالشّكل المطلوب في تشجيع التجار والصُّنّاع لترغيبهم في تنشيط عملية التسجيل في لوائح الإنتخابات الخاصة بغرف التجارة والصناعة والخدمات ، بالقدر والكيف الّذيْن يُضفيّان جمالية على المشهد بخصوص الإنتخابات الجماعية . فهل هي صدفة أم هو قدر محتوم ؟ ناهيك عن بعض الخروقات المتكررة وشيء من التعقيدات التي من شأنها أن تؤثر سلبا على شفافية صناديق الإقتراع ، إذ لم يعُد يخفى على الجميع حجم الإرث المُرتهل الذي يتفنن مجموعة من مهندسي الإنتخابات في مُعاودة تصحيحه حسب مقاسات ورثة المقاعد .
في نظري المتواضع لو لم يكن أيضا لبعض الشركات المُهيمنة على السوق يد في هذا التدنّي ، لَمَا تواطأتْ مع المفسدين للسيطرة على عقول الناس بإشهارات فارغة ، إلاّ من تهييج هاجس الإستهلاك لديهم ، وها نحن نتابع آخر لقطات مسلسل صندوق المقاصة ، ولا أحد يجرؤ على تحسيس مول الحانوت خارج جوقات ترقص على إيقاع العام زين ، بضرورة الإتّقاء من شرّ ما قد سيترتب عن تقلبات الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية من تبعات .
إقتراحات جديرة بالمعاينة إشتغلنا عليها مؤخرا على مستوى اللجنة الإدارية للنقابة الوطنية للتجار والمهنيين ، لامَسَت كثيرا من الجوانب فيما يخص الجبايات والضرائب وكذا التغطية الإجتماعية والصحية ، اللهمّ إذا كان لا يزال الإقصاء سيد المواقف فلا حياة لمن تنادي . إلاّ أننا نتشبت بالأمل الذي منح نقابتنا شرف التفاوض مع رئيس الحكومة للإطاحة بالبند 145 مكرر من مدونة الضرائب ، على إثر الضجة المُزَلزِلة التي خلّفها آنذاك هذا الرقم المشؤوم في صفوف التجار .
ملاحظة :
ــــ حسب تاجرين الأول من المسيرة 1 والثاني من الهرهورة بمدينة تمارة ، شركة دانون تتملص من وعودها ، بعد أن شجّعت التجار بموجب برنامج يهدف إلى الرفع من حجم مبيعات منتوجاتها مقابل حوافز مالية ، ولكن التجار لم يتوصّلوا بها حسب نفس التاجرين .
ربطتُ الإتصال مع مسؤول تجاري ، فكان جوابه أن خللا أصاب أنظمة الحواسيب ، ترتّبت عنه أخطاء خارج إرادتهم ، ما يعني أن التجار حسب زعم المسؤول لم يصِلوا إلى سقف المبيعات المثفق عليه .
- سؤال : - إذا كانت الأخطاء البسيطة من هذا الشكل تقع جراء خلل في أنظمة الحواسيب ، فماذا سيكون مصير التجار مع المراجعات الضريبية التي يرتكز إعتمادها على حجم مبيعاتٍ مصدرُها الأساسي نفسُ أنظمة الحواسيب ؟
حلل وناقش .
