عبد الفتاح عالمي
حين كنت صغيرا تساءلت طويلا عن السبب الذي يجعل الأواني الجميلة والمزخرفة وقفا على الضيوف وعن هذا النظام الأخرق الذي فرض أول مرة حظر التجوال في البهو، وحين يأتي الضيوف كنت أتأمّل السجاد المزركش ألوان الأرائك والستار بتخشّع ومرات كثيرة كنت أنظر للمكتبة بالزاوية ولا أصدق أبدا أن الكتب يمكن أن تكون منفصلة عن بعضها، كان يبدو كل شيء متلاحما متجانسا ومرتبا بطريقة عظيمة وكنت أبدو بينهم كضيف غريب! بعدها بدأت أتساءل عن الصُّدفة التي تجعل سراويل البدينين أوسع منهم وعن اللعنة التي تجعل الشاخرين ينامون دوما أولا ! و شغلني لوقت لا بأس به سبب عدم تحطم العلبة السوداء حين تصير الطائرة أشلاء ولم لا تُصنع الطائرات من تلك المادّة فقط ؟ وما سرّ ميل الناس لتداول الإشاعات بسهولة ولتصديقهم لكل ما هو مطبوع بالورق أو مبثوث بالتلفزة ؟ ولماذا نتشبت بعلاقتنا الغرامية المحبطة مع صندوق النقد الدولي ولا نكتفي بإصدار أوراق مالية أكثر من دار السكة وحسب؟ وأحيانا كنت أجنح لأسئلة تجعلني أشرد لوقت طويل في دوّامة من الفراغات فمثلا إن كنا أمام إنسان ولد أعمى كيف يمكن أن نشرح له معنى الألوان ؟ وهل إن علمت البقرة أنهم بالهند يعبدون بني جنسها هل ستركب هي الأخرى قارب موت لتكون هناك؟ مع مرور الوقت استطعت أن أجد بعض الإجابات وأن أتساءل عن المزيد.. لكن الشيء الذي لازال يثيرني أحيانا كثيرة هي ملاحظات أخرى صغيرة رغم بساطتها إلا أنها تعري طبيعة البشر المركّبة، فهم مثلا يميلون للبحث بحماسة وشغف عن معنى أسمائهم والواحد منا حين يريد تجريب قلم يكتب اسمه وحين يعلم أن أحدهم يحمل نفس اسمه يراقبه بحذر حتى دون أن ينتبه لذلك، كما أن البعض يُقبل بجدّية على مواضيع من طينة اعرف شخصيتك من لونك المفضل أو من عيونك أو طعامك أو حذاءك ولا أعرف ماذا أيضا، كما تشدّني البلادة التي يقبلون بها على العناوين التسويقية التي تلخّص فكرة "كيف تحقق المستحيل في خمسة أيام" عوض تعظيم فكرة "كيف تحقق الممكن على دفعات" ! كما نعايد و نبارك لبعضنا تواريخ ميلادنا وحلول سنة أخرى في التقويم ونتمنى لبعضنا عمرا مديدا قد يترجم بالعقبى للمائة سنة في حين أن ثلثنا متذمر من الحياة والثلث الآخر يفكر لو أنّه وصل محطّة النهاية ليرتاح والبقيّة الآخرون يهيمون على وجوههم إلى أن تأتي الساعة و يقضي الله أمرا كان مفعولا .. إننا نؤجل الحياة عوض عيشها أو نراقب الآخرين وهم يعيشون، إن الأمر أشبه بذلك الإحساس الذي ينتابك وأنت تحدّق برويّة في أحد تعلم أنه لا يراك.. أو وأنت تحملق في رسالة نصّية لا تعلم إن كنت ستجيب عليها أم لا .. بل هو أقرب ما يكون لتلك الحتمية التي تحاصرك حين تطلّ من فوق ناطحة سحاب على عشرات الأجسام الصغيرة فتدرك إلى أيّ حدّ نحن لا نشكل سوى مرحلة عفوية بالتاريخ ! وفي الختم..، أسفا علينا، إننا نحب بقوة ونكره بعنف وننسى ببطء ونموت ونحن على قيد الحياة
