الصادق بنعلال
- بعد أشهر من " البلوكاج " الحكومي و الصعوبة غير المسبوقة في تشكيل حكومة مغربية جديدة ، بعد الاستحقاقات التشريعية للسابع من أكتوبر ، ارتأى المعنيون بالشأن السياسي الوطني جدوى العودة إلى " جادة الصواب " ، و الاحترام غير المشروط للشرعية الدستورية و مبادئ حقوق الإنسان و الإرادة الشعبية ، التي جددت الثقة في حزب العدالة و التنمية مرة أخري ، لاستئناف مواصلة مسار البناء الديمقراطي ، و الإصلاح في ظل الاستقرار ، تماشيا مع الإيقاع الملائم للحركية المخصوصة للمجتمع المغربي . و هكذا و عبر لقاءات " بالغة السرية " و بعيدا عن أنظار الصحفيين و رجال الإعلام ، تم " التوافق " على ورقة طريق شبه نهائية بين زعماء الهيئات الحزبية ، و نخص بالذكر السيدين عبد الإله بنكيران و عزيز أخنوش ، و قد تحقق هذا التوافق بعد " مخاض" مليء بمختلف أنواع المعاناة ، و شتى ألوان الآراء المتباعدة أحيانا و المتقاربة أحيانا أخرى ، مع الأخذ بعين الاعتبار نوعية موازين القوى الوطنية ، و السياق الإقليمي و الدولي المنذر بآفاق موغلة في الغموض و الضبابية . فما هي مضامين هذه الورقة الأخيرة الكفيلة بوضع حد لهذا الانحصار الحكومي " غير المقبول " ؟
- تستند عناصر هذا الاتفاق النهائي على رؤية سياسية " راجحة " ، تُغلب المصلحة العليا للوطن على أي شيء آخر ، بالتالي فهي تشيد بدرجة الصبر القصوى التي أبان عنها الشعب المغربي التواق إلى التنمية و التقدم و الاستقرار في إطار توافقي تام ، و في هذا السياق حُسم الأمر في كون عدد أعضاء الحكومة المغربية المقبلة لن يتجاوز 20 وزيرا ، " تقديرا " للوضعية المالية المغربية و " ترشيدا للنفقات "، و مراعاة لتجميع القطاعات الحكومية و عقلنتها بالشكل الأنسب ، و سيكون ضمن التشكيلة الوزارية المقبلة " خمس وزيرات " لبلورة مبدأ المناصفة التدريجي على أرض الواقع ، و ستقتصر الحكومة التي سيعلن عنها " قريبا جدا " على خمسة هيئات سياسية ، و هي على التوالي حزب العدالة و التنمية ( 7 حقائب ) ، التجمع الوطني للأحرار (4 حقائب ) ، الحركة الشعبية ( حقيبتان ) ، التقدم و الاشتراكية ( حقيبة واحدة ) ،الاتحاد الدستوري ( حقيبة واحدة ) ، أما الحقائب الخمسة المتبقية و هي في الغالب ذات طبيعة " سيادية " ، ستكون من نصيب التكنوقراطيين . و لكن ما هو الهدف الاستراتيجي و الغاية الأسمي من هذه الخطوة المفصلية لهكذا حكومة " ثورية " ؟
- الجواب ببساطة أن التجربة السياسية المغربية تختلف شكلا و مضمونا عن باقي التجارب العربية ، في مختلف الانعراجات الجوهرية منذ الاستقلال إلى يوم الناس هذا ، إذ كانت المملكة المغربية سباقة إلى انتهاج التعددية الحزبية في نظامها السياسي ، و انفتاحها الثقافي على المنجز الحضاري الغربي ، و قدرتها على مواجهة الانتفاضات الشعبية ، بطرق أقل عنفا مما يقع في مختلف الأقطار العربية ، و لعل أنصع مثال على ذك ، التعاطي المغربي الإيجابي مع وقع ثورات الربيع الديمقراطي ، الذي اجتاح عددا كبيرا من الدول العربية الجريحة ، و أخيرا و ليس آخرا يقين الفاعلين السياسيين المغاربة بأن الوقوف في وجه الإرادة الشعبية ، و الانقلاب العنيف أو " اللطيف " على مخرجات صناديق الاقتراع و إفساد العملية السياسية ، كل ذلك لا يضمن استقرارا يفضي إلى جني ثمار التنمية و التقدم المنشودين ، و لا أدل على ذلك ، أن كل الأنظمة العربية التي اختارت مناهضة أحلام شعوبها في التحرر و الكرامة و العدالة الاجتماعية ، تواجه الآن ضروبا من أوجه الأزمة السياسية و الأمنية و المالية و الاجتماعية .. و الحق الذي " لا مجمجة " فيه بلغة القدماء ، أن ما سبق من حديث هو محض أحلام يقظة ، فهل هذا العبث السياسي سيشهد ضوءا في أخر النفق ، و تُقامُ حكومةٌ تحترم ذكاء الشعب المغربي ؟ أم أننا سنشهد ردة على الاختيار الديمقراطي و انتكاسة " الاستثناء المغربي " ! ؟
