محمد باجي
كنت من أشد الناس تمسكا بخيوط الأمل في هذه البلاد ، رأيت بعيناي أشياء خطيرة وحاولت أن أكذبهما فقط لأن الأمل كان بمثابة المناعة التي لا تقبل أن تخترقها سهام الشك والريب بخصوص ما يجري في هذه البلاد ، أعطينا كل الوقت للمطالبين بمهلة من أجل رفع إيقاع البحث عن مستقبل متقدم لشعبنا المتهالك و لم نكن أبدا عدميين إلى تلك الدرجة التي يرموننا بها ، ونحن في حقيقة الأمر لم نكن نقاس عندهم سوى بما يساوي قيمة فئران التجربة ، أمهلناهم لعقود كثيرة ولسنوات طوال من قبل التناوب إلى التناوب ، ومن التناوب إلى حدود حكومة التكالب ، نعم إلى حدود حكومة أجهضت حلم شعب وتكالبت على مطالبه فكانت حاجزا حقيقيا بين مطالبه والحاكم الفعلي للبلاد ، هذه هي الحقيقة التي لم يعد يغطيها الغربال أو تتجاهلها العين المخدوعة بالمظاهر .
وعمري أني منذ أن كنت في تمام الرشد والرشاد والذي صادف حكومة التناوب لم تمر سنة دون أن أسمع عن تدشين في منطقة ما في البلاد ، لكن لعمري رأيت نتاج تلك التدشينات تعود على أبناء الشعب بالخير والنمو والإزدهار ، بعبارة أخرى لا شيء تحقق سوى المقولة القديمة " زيد الشحمة فظهر المعلوف " ، كم أشفق لحالنا المزري سنة بعد أخرى ، كم تنتابني نوبات بكاء شديد عندما أحس أن كرامتنا تداس أمام أعيننا يوما بعد يوم في نشرات الأخبار عندما يطل علينا قارئ التقرير الإخباري المعد في الكواليس ، ويبدأ في استظهار النشرة بالنقطة والفاصلة والجمل الاعتراضية كأنه في الكتاب .
سمعنا كثيرا عن التنمية البشرية التي وصفت بالمبادرة ، وبالمقابل يقول السيد الواقع الشاهد الحقيقي والأوحد عن سوء
الأوضاع أن فقراء المغرب يندحرون كثيرا نحو الأغوار ليشربوا من بركة ومستنقع الأوضاع الكارثية بينما طفت على السطح أوراق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وهي أشبه بريش طائر مبعثر ومنفوش ذات حرب وأم قشعم . سمعنا كثيرا عن تهيئة المدن وإعادة النظر في البنى التحتية ومحاربة دور الصفيح وتأهيل المناطق المهددة بالفيضانات والحال أن قطرات قليلة من الأمطار كشفت بالفعل وبالملموس حقيقة الشعارات المرفوعة ، فبلغنا أن الدار البيضاء تغرق ودور فيها تتساقط وتقتل ، وأن طنجة تتنفس تحت الماء وتطوان تغرق في الأزبال ، أما خنيفرة فحدث ولا حرج ، ف" واد أم الربيع " كاد أن يختطف حيا بأكمله وهو الذي أعطى إشارة خطيرة بكونه قادر على أن يقتل في صمت ويخلق الكارثة ، فقط عن طريق قنوات الصرف الصحي أو بتعبير آخر سيستعمل سلاح الهجوم الداخلي على أرواح العباد وممتلكاتهم ، لقد استوقفتني في صباح اليوم الكارثي بخنيفرة معلومة وإشارة تداولها جميع من أخذنا تصريحاتهم بخصوص الفيضانات الأخيرة بخنيفرة ، إشارة تؤكد أن الشعب قد أدرك كم ضحك المخزن على ذقوننا ، الكل قال وأعاد وكرر : << مابغيناش المعونة والعطايا والزيت والسكر والطحين والكوايش ... بغينا سكن في المستوى >> ، وعليه أقول وأعيد وأكرر ، شكرا للأمطار لأنها كشفت الوجه الحقيقي للأشواط المتقدمة في البلاد
