احمد اضصالح
طالعتنا الصحف ووسائل الإعلام هذه الأيام –باستثناء قنواتنا الموقرة طبعا- بخبر انتهاك "ملكات جمال" بلجيكيات حرمة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء وآخر في العاصمة العلمية بالتقاط صور فاضحة كمؤشر واضح على حقد دفين واحتقار مستمر وعزف على وتر أحزان أهل هذا البلد الذي يُعد الإسلام مرجعيته الدينية بنوع من اللامبالاة وعدم اعتبار للردود التي ستعقب هذا العمل المشين.
رجعت بي الذاكرة لما قرأت هذا الخبر في صحفنا الإلكترونية إلى يوم تصوير "عرض للأزياء الداخلية" بجامع ابن يوسف في مراكش الذي كان فيما قبل مهدا للحضارة المغربية عن طريق تخريج أفواج من الدعاة والعلماء، والآيات القرآنية وراء الجسم العاري المنحني لتُلتقط له الصور في حالات ووضعيات جنسية محضة تجرمها القوانين قبل الأعراف.
أما في مدينتي الصغيرة فقد وقع ما لم يكن في الحسبان:"فنان مشارك في قافلة فن الشوارع يتبول على الجمهور" وشريطه ذائع على الشبكة العنكبوتية، كإشارة خطيرة إلى النظرة الدونية التي ينظر بها الآخر لنا كمغاربة مسالمين. لا أريد أن يقال بعد هذا إنه ألف التبول على الناس في مسقط رأسه فاعتقد فورا لما أتته الرغبة أن البشر كلهم متساوون في القبول برذاذ البول كالمطر على قفاهم، أو إنه أصابته حالة من اللاشعور بالجنس البشري المغربي فاعتقد خلو المكان ولم يسمع الصفير والصراخ وقهقهات بعض الجماهير !!
التقيت ذات مرة بعجوز فرنسية بلغت من الكبر عتيا ومعها زوجها في محطة سيارات الأجرة تسألني عن سيارة تبلغها وجهتها. فبحكم السذاجة المغربية وقيمنا النبيلة وقفت إلى جانبها للحصول على المبتغى حتى لا تكون ضحية سماسرة لا يرحمون الغريب في غربته وابن السبيل في سبيله. وما هي إلا لحظات حتى قالت لي مبتسمة مودعة:"أنت خادمي وحارسي..." !
صدمة قوية وصفعة موجعة من الكلام الفارغ المذل الذي لم أسمعه قط في حياتي حتى من أقرب الأقرباء.. فكان ردّي أن لعنتها في قرارة نفسي وأطلقت ساقَي للريح معتذرا حتى لا يقع اللوم عليّ فهم أصحاب اتهامات لذوي الشعر الأسود كلما واتتهم فرصة ذلك دون حجة أو دليل.
أما ما تعج به صفحات التواصل الاجتماعي فيندى له الجبين من سب وشتم وسخرية ممن علّم لهم معنى الحضارة والحرية أيام كانت الكنيسة تنفذ الحرق في العلماء وتمنع العامة والخاصة من فتح الأفواه ردا على ترهات صكوك الغفران وقداسة رجال الدين. وبعد هذا وذاك يأتون ليلقنونا مبادئ الحرية الفردية –كالتبول على البشر وانتهاك الحرمات- كحل لمشاكلنا على جميع المستويات والأصعدة.
قضية العري وسط المساجد وأماكن العبادة أحبتي في بلدي هذا لم يكن وليد اليوم فقط، بل يعد تصرفا عقديا خطيرا تحركه خلفيات إيديولوجية "ماسونية" لها مآرب شتى في تدنيسها للمواقع الدينية العتيقة والكبيرة إحداها جس النبض في مختلف أنحاء العالم الإسلامي واختبار ردود الأفعال. إنها إذن ليست مسألة سياحة أو زيارة عابرة كما صرحت بذلك بعض وسائل الإعلام الغربية. إنها عقيدة ومبدأ.
هذا ما علمتني إياه الحياة في عريهم وسط مساجدنا. تمنيت كثيرا لو كان الحدث حلما عابرا أستيقظ بعده لأقول: "أفتوني في حلمي إن كنتم للأحلام مفسرون !" لكن واأسفاه لا سبيل للحلم بل الحق والحق أقول:"أيها الناس:أفتوني في عري وسط مساجد !".
