المهدي محمد
لقد تزايد الاهتمام في الأعوام الأخيرة باللغة العربية دراسة وتعلما وتاريخا وثقافة، سواء من طرف الأجانب غير الناطقين بها،الذين جعلوا لها مدارس ومعاهد خاصة تلقنها وتدرّسُها لروادها، أو من طرف العرب الناطقين بها الذين خلقوا لها مراكز الأبحاث ، ومجمعات اللغة و الدراسات ، وأغدقوا عليها العطاء من أجل تركيز دعاماتها الكبرى و تعزيز مكانتها بين لغات العالم.
وتكلل هذا الاهتمام بقرار من المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم (اليونسكو)،الداعي إلى اعتماد الثامن عشر من دجنبر(Décembre) من كل عام يوما عالميا للغة العربية،احتفاء بها ومن أجل زيادة الوعي بها وبثقافتها وتاريخها.
وقد جاء اختيار هذا التاريخ ليطابق اليوم الذي قررت فيه هيئة الأمم المتحدة من العام 1973 اعتبار اللغة العربية من ضمن الغات الست المعتمدة من طرف الأم المتحدة،واعتبارها من أكثر اللغات انتشارا.كما تعتبر اللغة العربية من أكثر اللغات السامية استعمالا في العالم،إذ يتكلمها أكثر من 422 مليون شخص،وتحتل المرتبة الثانية بعد الإنجليزية، ومن أقدم اللغات المتداولة إلى حد الساعة.
ولكن ،وعلى الرغم من سرعة انتشارها وزيادة الإقبال عليها،فإن وضعها اليوم ـ وخاصة عند الناطقين بها من العرب ـ يحتاج إلى مراجعة عميقة، للوقوف على المعيقات الذاتية و الموضوعية التي تعترض تطورها وتنمية مخزونها المعجمي والتداولي،وما مدى مواكبتها لتطور المجتمع، ومدى تَشَرّبِها لروح العصر.والنظر من جهة أخرى إلى اتجاهات الناطقين بها اتجاهها كلغة تحمل ثقاقفتهم وامتدادهم الضارب في التاريخ،وكيف ينظرون إليها،وملامح خطابهم اللغوي .
فمن خلال تتبع مختلف الكتابات والسِّجالات العلمية و اللغوية ،التي تصدت إلى اللغة العربية، وإلى موروثها الثقافي وحمولاتها التاريخية والدينية والاجتماعية،سواء على صفحات الصحف الورقية أو الإلكترونية ،يمكن الخروج بأربع خلاصات، يمكن أن تختزل مواقف الإنسان العربي من لغته ،نسوقها كما يلي :
- إن ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم هو مصدر صون وحماية لها من الموت والاندثار،وهي بهذا المعنى لغة مقدسة قداسة كلام الله،الذي تنزّل على رسوله باللغة العربية. بل منهم ـ المسلمين ـ من يعتقد أن لغة القرآن هي لغة أهل الجنّـة، ولذلك فإن الله سيعصمها من كل أذى، ويدفع عنها ما قد يعتيرها من تغيير.
- نزعة التقديس التي يسبغها العرب على لغتهم، تظهر بوضوح في تعاطيهم مع ما استجد من مفردات تحاول مسايرة العصر وتستوعب ما استجد من أحداث ،إذ يتردد معظم اللغويين وفقهاء اللغة العرب في قبول أو رفض هذه المفردات أو الصياغات الجديدة ،قبل أن يراجعوا معاجم اللغة القديمة التي صُنفت في عهود وبيئات مختلفة .
- يرى العرب أن لغتهم تتعرض لهجوم شرس ومقصود ،تخطط له دوائر غير عربية تسعى إلى توسيع هامش اللغات الأجنبية على حساب اللغة العربية الفصحى،كما تقوده دوائر عربية داخلية،تهدف إلى إحلال اللهجات المحلية (العامية) محل اللغة العربية الفصيحة، باعتبارها لغات البلد الحية التي يتحدث بها أصحاب البلد بدون استثناء،بل يطالبون بترسيمها ودسترتها كما تم ترسيم ودسترة الأمازيغة في البلدان المغاربية،يدخل هذا في باب ما يسمونه باللغة الوطنية (المغربية واللبنانية و العراقية والسعودية و و إلخ..) .فالعربية الفصحى في نظرهم تصارع منافسين قويين هما اللغة الأجنبية و اللهجات المحلية ،أو ما يحلو للبعض تسميته بـ"الإنحرافات اللغوية" .
هذا التوصيف الأولي لحالة اللغة العربية في أوطانها وبين أهلها ،يكشف عن عدة حقائق ساطعة لا يمكن التغاضي عنها ،كانت وستبقى أساسية في تشكيل وضع اللغة العربية ،وهي عوامل غير جديدة عن واقع العرب تمتد لعقود خلت،نكتفي بذكر أهمها هنا :
· حالة الازدواج اللغوي التي يعيشها جميع المتكلمين بالعربية ،إذ أضحت العربية الفصحى هي اللغة الثانية بعد العاميات المتحدث بها في البلدان العربية التي أصبحت بالفعل هي اللغة الأم لأبناء البلد،يقضون بها حاجاتهم ويستخدمونها في حياتهم اليومية وتعاملاتهم الخاصة والعامة صباح مساء.
· تردّي الخدمات والبرامج التعليمية التي تروم تلقين ونشر اللغة العربية ، الشيء الذي خلق حالة من النفور منها لدى الشباب العرب أنفسهم،رغم ما ينفق عنها من أموال طائلة، وخاصة في بلاد الخليج العربي..واهتمام هذه البرامج بالجانب التواصل الشفهي باللغة أكثر من الجانب الكتابي ،ما يفسر كثرة الأخطاء اللغوية في العربية ،سواء في التحدث بها أو في كتابتها.
· انزواء اللغة العربية الفصيحة واقتصار استعمالها على النشرات والمواقع الإخبارية والصحفية، وبعض البرامج التلفزية و الإذاعية وخاصة الدينية، وخطب الجمعة والمناسبات الرسمية وفي بعض معاهد التعليم الديني أحيانا.
· إن احتكاك لغة الضاد باللغات الأجنبية ليس عاملا سلبيا كما يذهب إلى ذلك المهوّلون من الخطر الذي يتهددها،بل هو عامل إثراء ونمو، لابد لكل لغة منه ، لكي يُصار إلى تطويرها وتحصينها ويُعملَ على ضخ الجديد من المفردات والتعابير و الأساليب والقوالب الجديدة المسايرة للعصر في رصيدها ،وليس الانكفاء على ما تقادم من تراث لغوي كان وليد ظرف تاريخي واجتماعي وحضاري مختلف .
· إن السعي إلى تجميد اللغة العربية وتنميطها في قوالب معينة ، لا يمكن قبوله بأية حجة كيفما كانت،لأن اللغة العربية شأنها شأن باقي لغات العالم،هي نظام من العلامات والمدلولات (الأصوات في الكلام المنطوق والحروف في الكتابة) طوّره البشر لقضاء حاجياتهم ، وللتواصل فيما بينهم، و للتعبير عن مشاعرهم وعواطفهم،وهو نظام دائم التغير والتطور،وحالما توقف عن ذلك ،تدخل اللغة في حالة ركود وكساد يفضي إلى إهمالها ومن ثمة إلى موتهـا.
في ضوء هذه الحقائق،أصبح على أصحاب لغة الضاد ـ في أول يوم عالمي لها ـ أن يعملوا بشكل علمي وموضوعي ،بعيدا عن العواطف والعصبية بكل أشكالها على نهضة لغتهم، ولن يتحقق لهم ذلك إلاّ إذا تعاملوا معها باعتبارها لغة ثانية ، تحتاج إلى ما تحتاجه اللغة الثانية من اهتمام ودعم في تعلمها وتدريسهـا..والاعتراف باللهجة المحلية كلغة أولى ورسمية لكل بلد،باعتبارها اللغة الأم لأبناء البلد.ومن هنا يجب التفريق بين اللغة الوطنية وهي اللغة التي يتحدث بها أهل البلد في كل معاملاتهم وقضاء حاجياتهم، وبين اللغة القومية التي يتعامل بها في الدوائر الرسمية للدولة .
ثم إن عليهم أن يسعوا إلى دراسة وتحديد اتجاهات الناطقين بالعربية وخطاباتهم دراسة علمية متأنية ومستفيضة،والإسراع في تأسيس مجلس قومي للسياسات اللغوية تكون مهمته وضع السياسات اللغوية المعتمدة على نتائج دراسة تلك الاتجاهات، ومتابعة تنفيذها في معاهد التعليم ووسائل الإعلام متابعة مسؤولة ومتواصلة .
