محمد زروال
إذا كانت الدولة المغربية قد عملت بكل مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية على نشر مجموعة من المفاهيم والمصطلحات في إطار دفاعاها المستميت عن عروبة المغرب منذ عقد الثلاثينيات، و خلال السبعينيات تزايدت جرعة التعريب بعد انتشار الفكر البعثي العروبي والذي دافعت عنه حتى التيارات السياسية التي كانت معارضة للنظام الملكي بالمغرب، من بين هذه المفاهيم نذكر الوحدة العربية ، المجتمع المغربي العربي، الأمة العربية، المغرب العربي..... هذه المفاهيم لازالت أبواق النظام تطبل لها صباح مساء دون أدنى حرج. قامت وزارة التربية الوطنية في إطار تطبيق قرارات الميثاق الوطني للتربية والتكوين بتغيير المقررات الدراسية بجميع المستويات، وهو ما تزامن مع نوع من المصالحة الرسمية مع موضوع الأمازيغية على الأقل ظاهريا، إلا أنه رغم ذلك لازالت المقرارت الدراسية تعج بهذه المفاهيم العنصرية البعيدة عن العمق الاجتماعي والحضاري للشعب المغربي، وخير مثال على ذلك كتاب مادة الجغرافيا في مستوى الثانية إعدادي حيث تتربع كلمة العربي إلى جانب المغرب على رأس الكثير من الصفحات بالكتاب المدرسي، وفي هذا الصدد هناك عدد كبير من الأساتذة الواعين بخطورة هذه الكلمات على مستوى التنشئة النفسية والاجتماعية للتلاميذ يلجؤون إلى استعمال مفاهيم قريبة من واقع التلاميذ، لكن بعضهم واجه معارضة من المشرفين التربويين الذين لم يستطيعوا مواكبة التحولات التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة. والدليل على النية السيئة لمسؤولي الوزارة هو تعويض هذا المفهوم بالمغرب الكبير في كتاب مدرسي أخر ويتعلق الأمر بكتاب مادة التاريخ بالسنة الثانية باكالوريا.
لقد تمكنت الإيديولوجية العروبية من التوغل في ذهنية الإنسان المغربي بعد سنوات من التضليل حتى أصبح بعض" المنتسبين " للحركة الأمازيغية يستعملون كلمة المغرب العربي في لقاءات محسوبة على الحركة الأمازيغية، مثلما وقع مؤخرا عندما قال أحد المتدخلين (نائب رئيس تنسيقية أميافا) في كلمته الافتتاحية لحفل فني نظمته تنسيقية أميافا خنيفرة التي يشغل فيها منصب نائب الرئيس بتنسيق مع جمعيتي سكان جبال العالم و أيادينا بخنيفرة ، أن سكان المغرب " العربي" يحتفلون برأس السنة الأمازيغية.
يتم ترديد كلمة العربي إلى جانب المغرب عند الحديث عن قضية مغاربية في وسائل الإعلام المغربية بمختلف أنواعها في نشرات الأخبار والربورطاجات والبرامج الحوارية والمقالات والتحقيقات. وهذا التكرار يتعمده المسؤولون في هذه المؤسسات ولم تستثن نشرة الأخبار الجوية من هذا التعريب رغم أن أسماء المناطق التي ينطقها المذيع أمازيغية.
من التناقضات الأخرى لحكومة بنكيران فيما يتعلق بالقضية الأمازيغية، نجد مطالبة وزير الخارجية المغربي سعد الدين العثماني، المعروف بمواقفه المعتدلة تجاه الأمازيغية، في اجتماع لوزراء خارجية الدول المغاربية بتغيير اسم الاتحاد المغاربي من اسمه القديم إلى المغرب الكبير، وهو اقتراح لم ينل إعجاب كل الوزراء. نسي العثماني أنه مسؤول داخل حكومة يقودها حزبه وكان عليه أن يبدأ حملته من عقر داره أي أن يطالب بتغيير اسم الوكالة الرسمية للأخبار بالمغرب، والتي تحمل بدورها نفس التسمية العنصرية . كان على الوزير أن يتدخل لكي يتم تغيير اسم قناة ميدي 1 و إذاعتها لتحذو حذو قناة نسمة التونسية التي تستعمل كلمة المغرب " أمقران" علما أن النضال الأمازيغي بتونس في خطواته الأولى، وفي هذا الصدد تتأكد النية السيئة للمسؤولين الإعلاميين بقناة ميدي1 حيث التحقت مؤخرا بها صحافية من قناة نسمة لم تكن تستعمل كلمة المغرب العربي عندما كانت تشتغل بها، و بمجرد وصولها إلى القناة المذكورة بدأت في استعمال كلمة المغرب العربي.
تحملت الدولة المغربية مسؤولية انتشار هذه المفاهيم العنصرية التي أشرنا إليها سابقا ، وعليها أن تكون جدية في التعامل مع مستجدات الساحة الثقافية والسياسية بالمغرب، وتقود عملية تغييرها بكل الإمكانيات المتاحة لتعويضها بكلمات ومفاهيم تعبر عن المصالحة الحقيقية مع الذات المغربية. يجب على الدولة المغربية أن تقوم بإجراءات فورية للتعبير عن حسن النية في التعاطي مع القضية الأمازيغية تجسيدا لمكانة الأمازيغية كعمق ثقافي وهوياتي وحضاري للمغرب مثلما نص الدستور الجديد/ القديم عليها ، هذه الإجراءات يجب أن تنطلق من قطاع الإعلام أولا فهو لا يتطلب سوى مذكرة من وزارة الاتصال لكل المؤسسات الإعلامية، تنص على إجبارية استعمال المفاهيم المنصفة لثقافتنا المغربية، وتدعوها لتجنب استعمال كل الكلمات والمفاهيم التي تفصلنا عن جذورنا الإفريقية وهويتنا المغربية الأصيلة ، ولم لا تقديم اعتذار للمغاربة على السنوات الماضية المليئة بالتعتيم والتضليل. كان من المنتظر أن تغير وزارة التربية الوطنية المقررات الدراسية في الموسم الحالي لكنها أجلت العملية إلى السنة المقبلة خاصة بعد فشل تجربة الإدماج، وهي فرصة مناسبة لكي تتراجع الوزارة واللجان المسؤولة عن تسطير البرامج عن الكثير من المفاهيم والمغالطات التي تتضمنها الكتب المدرسية الحالية في جميع المستويات سبق وأن وصل انعكاساتها إلى القضاء. يجب على الدولة المغربية أيضا أن تتدخل لتغيير يافطات المؤسسات العمومية والخاصة وأسماء الأزقة والشوارع التي تتضمن كلمات عنصرية وعليها أن تغير اسم الوكالة الرسمية للأخبار وقناة ميدي1 وإذاعتها.
مرة أخرى نؤكد أن هذه التسميات انغرست و تجذرت في لا شعور أجيال كثيرة من المغاربة، وبالتالي فإن معركتنا اليوم ترتبط في جزء كبير منها بما هو أيقوني، وهو ما لا يمكن فصله عن كل النضالات التي تخوضها الحركة الأمازيغية بما فيها مسيرة توادا التي لا يفصلنا عنها إلا أيام قليلة.
