محمد أزوكاغ
يستفاد من درس التاريخ أن المجتمع المنظم العقلاني يقوم على قاعدة أساسية تتمثل في العدالة التي تعتبر الفضيلة الأولى للبنيات السوسيو_اقتصادية للمجتمع. فمن أين تستمد العدالة قيمتها؟
تكمن القيمة الفعلية للعدالة تعيينا في الدور الذي تلعبه كترياق للإختلالات الناتجة عن الفائض الحرياتي اذا تعلق الأمر بالمجتمعات الليبرالية وعن القمع والشطط في استعمال السلطة داخل المجتمعات الشمولية. أي أنها تلعب دور المصحح والمصوب لكل حالة آلت فيها الأوضاع إلى فوارق وتفاوتات.
إن المجتمع الذي يستقيم فيه جهاز القضاء لا شك أنه مجتمع أكثر استقرارا من غيره، ذلك أن المواطن مهما كانت التجاوزات التي ترتكب في حقه مادية كانت أو معنوية دائما ما يكن مطمئنا إلى وجود سلطة محايدة ومستقلة تمثل في وجدانه الحامي الذي يشبه الأم بالنسبة للوليد.
يقول "جون راولز" عن العلاقة بين العدالة والخير أن الأولى أسبق من الثاني بدليل أن العدالة توحد في حين أن الخير يفرق، أي ما معناه أن تصورات البشر حول الخير تختلف باختلاف الثقافات والحضارات في حين أن العدالة تبقى مفهوما موحدا مهما كانت الاختلافات. ويذهب "رولز" في ترافعه هذا إلى مدى أبعد حين يشير إلى كونية مفهوم العدالة في مقابل خصوصية ونسبية مفهوم الخير.
العدالة بما هي إنصاف فعل إجرائي وهذا بالضبط ما يجعلها محط إجماع، وبغيابها تضرب بعرض الحائط كل المجهودات التنموية ومبادرات الحكامة والنوايا الحسنة.
طريق الإصلاح في المغرب يمر من العدالة، إنه يمر تحديدا من تفعيل القضاء بما هو سلطة مستقلة كما هي متعارف عليها دوليا وهذا شرط أساسي لا سبيل إلى إسقاطه مهما كانت المبررات.
لقد ضيع المغرب من الوقت ما يكفي وفوت من الفرص ما لا يعوض ولا يزال مسلسل الإخفاق القضائي مستمرا ببلادنا، ولعل أبرز دليل لهو التحفظ الذي يبديه المستثمرون الأجانب، وهو التحفظ القائم أساسا على عدم الطمأنينة إلى جهاز العدالة فلا يمكن ولا يتصور أن يغامر مستثمر بأمواله في بيئة قضائية غير سليمة في مجملها لا من حيث شروط التقاضي فقط ولكن من جهة بطء الإجراءات كذلك.
سؤال وضع قطار القضاء على سكته الصحيحة مطروح حاليا على المحامي والوزير مصطفى الرميد وعلى كل الفاعلين في الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح القضاء.
الأيام القادمة كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال.
