قبل وقوع الكارثة..ساكنة دور آيلة للسقوط بحي عين النقبي بفاس تناشد المسؤولين

برد الشتاء.. مواطن من ميدلت يدعو إلى توفير حطب التدفئة قبل وقوع “كارثة

السائقون المهنيون ضواحي ميدلت يحتجون ضد “النقل السري” ويطالبون عامل الإقليم بالتدخل العاجل

قـ.ـتلوه بالبوطا.. جنازة حزينة في وداع الشاب محمد ضـ.ـحـ.ـيـة صـ.ـراع بين الجيران بطنجة

استعدادا لعيد الأضحى.. بداية عمليات الإنتقاء والوشم للماشية سلالة تمحضيت بإقليم ميدلت

وصول منتخب نيجيريا لمدينة فاس بعد الفوز على الجزائر

عندما يرتقي وعي الجماهير فوق وعي النخب

عندما يرتقي وعي الجماهير فوق وعي النخب

عبد الكبير حميدي

 

كتب كثيرون في التمييز بين "الثقافة" و "الوعي"، وأن الثقافة لا تكون إيجابية دائما، بل قد تكون سلبية أيضا، وأن المثقف لا يكون إيجابيا ملتزما دائما، وإنما يكون سلبيا منحرفا أيضا، بل قد يكون مجرما ومخربا. وأما "الوعي" فلا يكون إلا إيجابيا، ولا يكون صاحبه إلا شخصا ملتزما ومحترما، ولا يكون إلا صاحب مروءة وشهامة واستقامة وضمير، وخلصوا إلى أن "الوعي" لا يرتبط قط بالثقافة، بل يكون مع الثقافة، ويكون بدونها.

وقد أثبتت التطورات الأخيرة التي عرفتها البلاد العربية، في ظل الربيع الديموقراطي العربي، صحة النظرية السابقة، وكشفت بما لا يدع مجالا للشك، أن الجماهير العربية المسلمة كانت في مستوى اللحظة التاريخية، ولم تتخلف عن موعدها مع التاريخ، ولذلك خرجت إلى شوارع النضال وميادين الحرية، لتضع حدا لعقود من القهر والتسلط والاستبداد، واسترخصت في سبيل ذلك دماءها وأرواحها وكل ما تملك، وقدمت الغالي والنفيس في طريق إسماع صوتها وفرض إرادتها، حتى إذا هزمت الفراعنة وأسقطت الطغاة، انخرطت من توها في معركة البناء الديموقراطي، فتوجهت بالملايين إلى صناديق الاقتراع، واختارت من رأت فيهم أملها ونبضها ومستقبلها، وقدرت لهم حجم العقبات والتحديات القائمة في طريق الإصلاح، والتمست لهم العذر في بعض الأخطاء والهفوات، التي لا يمكن أن يتنزه عنها عمل أو جهد بشري، وخصوصا إذا كان صاحبه حديث عهد بالسياسة، وممارسة السلطة، وبتدبير الشأن العام، وأبانت عن استعدادها لإعطائهم مزيدا من الوقت والدعم.

لقد عبرت الجماهير العربية المسلمة، بمواقفها الجريئة وخطواتها الحكيمة، عن وعي كبير بظروف اللحظة وملابساتها، وبمقتضياتها ومتطلباتها، وأبانت عن وضوح في الرؤية، وصلابة في الموقف، ورحابة في الصدر، وسرعة في الاستجابة، ومرونة في التكيف مع الطوارئ والمستجدات، ولا زال في جعبتها المزيد، وما زالت تعد بالكثير.

وأما النخب، فقد انقسمت على نفسها من أول لحظة بدأ فيها الحراك الديموقراطي، فكان منها من أيد الاستبداد، وانحاز إلى الطغيان، ولم يكتف برمى الجماهير بأقبح النعوت وأشنع الصفات، من سفه وسذاجة وقلة وعي، بل انضم إلى صف المستبدين، ووقف إلى جانبهم، وحرضهم على إجهاض الثورات بكل الطرق، ودعاهم إلى إخضاع الجماهير بكل الوسائل.

وعندما حسمت الجماهير الموقف، وكنست الطغاة إلى مزبلة التاريخ، وأودعتهم المنافي والسجون، ويممت وجهها شطر معركة البناء الديموقراطي، فحجت إلى مكاتب التصويت – لأول مرة – بالطوابير، وسجلت أرقاما قياسية في المشاركة السياسية، وعبرت عن رأيها بكل حرية، ظهر من النخب المرجفون والمشككون، والمغرضون والمتآمرون، والانتهازيون والوصوليون.

وعندما جرت رياح الربيع الديموقراطي العربي بما لا تشتهيه سفن بعض النخب، وحملت نخبا أخرى إلى صدارة الأحداث، وإلى مقدمة الركب، استشاطت الأولى حنقا وغضبا، وفقدت كل لياقة وصواب، وراحت تكيل التهم وتوزع الشتائم ذات اليمين وذات الشمال، فلم تتورع عن اتهام الجماهير بالخفة والغباء، والسذاجة والعاطفية، ولم ترعو عن اتهام خصومها بالنفاق والخداع، والسعي إلى التحكم والتسلط، حتى قبل تسلمهم زمام السلطة، وممارستهم للمسؤولية.

وبدلا من ممارسة المعارضة بمفهومها البناء، وبطرقها الشريفة المشروعة، اختارت بعض النخب أساليب الابتزاز والالتواء والبلطجة، وسياسة الهروب إلى الأمام، فتحالفت مع فلول الفساد والاستبداد، واختارت سياسة لي ذراع الحكومات المنتخبة، فأحدثت الفوضى في الشوارع والميادين، وتورطت في التحريض على العنف، ورفعت شعارات "إسقاط النظام" في وجه من اختارتهم الشعوب وأوصلتهم صناديق الاقتراع إلى سدة الحكم، وركبت الصعب والذلول لتشويه صورتهم في أعين الشعب، واستعملت في ذلك الدعاية المغرضة والأساليب الرخيصة، ونصبت في طريق الحكومات المنتخبة الفخاخ، وافتعلت المشاكل والقلاقل، ولم تقم وزنا للإرادة الشعبية ولا للمصلحة الوطنية، ولا اعتبارا للسلم الأهلي، ولا للأمن الوطني.

وبهذه الأساليب غير الشريفة وغير النظيفة، انحدرت كثير من النخب إلى دركات من الوعي الزائف، والسلوك الشقي، تحولت معه إلى معول هدم، وإلى عامل فوضى، يدفع بالأوضاع إلى مزيد من الاحتقان والتشنج، بدلا من أن تنحاز إلى الشرعية والمصلحة الوطنية، وتساهم في تخليق الحياة العامة، وتحقيق الانتقال نحو الديموقراطية.

بذلك وبغيره، تفوقت الجماهير على النخب، وارتقى الوعي الشعبي الواقعي والإيجابي، فوق الوعي النخبوي المؤدلج والمسيس والبئيس.  

         


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة