ينقسم المسلمون في تعاطيهم مع التطورات الحتمية للبشرية في علاقتها بالدين الإسلامي إلى فريقين، الأول يرى أن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان وبالتالي هو قادر على احتواء هذه التطورات. أي أن تطور الإنسانية لا يمكن أن يتعارض مع روح الإسلام مهما كان هذا التطور، سبيلهم إلى ذلك الاجتهاد الذي يوفق بين الاثنين. وفي مقابل ذلك نجد فريقا آخرا يتخذ لنفسه موقفا يتجلى أساسا في كون أنه يضع نفسه ومعه مشاريعه على الدوام في مقابل الإرث الحضاري البشري عامة، يتحدث عن الدولة الإسلامية في مقابل الدولة الحديثة والقانون الوضعي ضد التشريع الإسلامي وبشكل عام يضع "المجتمع الإسلامي" في مقابل الإنسانية وكأن المسلمين ليسوا جزءا منها.
يسلك الطرف الأول طريقا صعبا لأنه يلزم صاحبه بالتأمل والاجتهاد، إذ يتمسك هذا الفريق بروح الدين الذي تعكسه المقاصد الكبرى للشريعة الإسلامية مع تجاوز التفاصيل التي قد تتغير بين ظرفية وأخرى فتكون النتيجة التطابق بين متطلبات العصر ومقتضيات الدين، لكن في مقابل ذلك نجد البعض من المسلمين وهم في الغالب الذين ينتسبون لجماعات الإسلام السياسي وخاصة الجهادية والمتطرفة منها عوض أن يعملوا على البحث عما يخرجهم من ورطة التناقض بين اجتهادات القرن الثاني للهجرة وعصر الألفية الثالثة يحلمون بتغيير الواقع ليتلاءم مع بيئة الجزيرة العربية للقرن الثامن الميلادي !!
تغيير واقع البشرية بما يعيدها إلى الوراء مسألة لا تمت إلى المنطق بصلة ناهيك عن أنه يمثل خرقا لقوانين التاريخ البشري الذي يتطور حتما إلى الأمام ولا يعود القهقرى أبدا، وعليه فتراث المسلمين واجتهادهم الذي توقف عند العباسيين هو الذي يجب عليه أن يجاهد ليتلاءم مع العصر وهذا هو الطريق الوحيد لكي لا يخرج المسلمون من الجغرافيا كما خرجوا من التاريخ.
عصرنا هذا هو عصر الحداثة و الديمقراطية وحقوق الإنسان ولا شيء غير ذلك، فإما أن نكون هكذا فنصبح جزءا من الإنسانية وإما فالعزلة هي المصير.