مريم آيت أحمد
إن للإعلام دوراً أساسيا في استثمار القضايا تجاه تحقيق الأهداف الشرعية في المجتمعات ودعم سبل التعاون الثنائي بين دول وشعوب العالم الإسلامي ثقافياً واقتصادياً وسياسياً، وكذلك المساهمة في حل المشكلات الطارئة في هذه الأشكال الوحدوية والسعي إلى اكتمالها بنقل التجارب الناجحة وتسويق منتجاتها بين شعوبها. وبعرض تجارب التكتلات في العالم ونتائجها الإيجابية كالوحدة الأوربية أو منظمة الآسيان أو غيرها من التجارب الناجحة كي تكون أنموذجاً تسعى الأمة لتكوين وحدة مشابهة له ولو مرحلياً. ومن أهم الأدوار التي يمكن أن يلعبها الإعلام دعم أشكال الوحدة القائمة في الأمة واستثمار إيجابياتها ومعالجة سلبياتها بحنكة ومن ذلك: منظمة المؤتمر الإسلامي، جامعة الدول العربية، رابطة العالم الإسلامي مجلس التعاون الخليجي والإتحاد المغاربي، ودعم سبل التعاون الثنائي بين المنظمات المهنية كاتحاد الكتاب والمحامين والأطباء العرب والمسلمين واتحاد الطلاب والنساء والعمال واتحاد مؤسسات المجتمع المدني العربي والإسلامي ، فهذه كلها أشكال وحدوية تقع على طريق الوحدة الإسلامية الشاملة، مطلوب الحفاظ عليها ودعمها والارتقاء بها نحو وحدات أشمل.
وبالتالي فالمطلوب من الخطاب الإعلامي في بلدان العالم الإسلامي العودة إلى التوازن والواقعية والعقلانية والمرونة، تحقيقا لمقاصد وغايات الوحدة ،وذلك بمراعاة المصالح العامة على الخاصة واعتماد مقاصد العالمية الإسلامية التي ترفض منهج الغلو والتعصب، و تركز على النظرة الاجتماعية وتحترم الخصوصيات الثقافية والتعددية للشعوب والمجتمعات، بحثا عن القيم والمصالح المشتركة والتعاون على تحقيقها، نصرة لأهداف التنمية المستقبلية وقضاياها المصيرية، والإعلام يمكنه إذا اعتمد مقاصد العالمية الإسلامية أن يساهم بقوة في معالجة المشكلات والتحديات التي تحول دون تحقيق الوحدة بين شعوب ودول العالم الإسلامي ،وذلك بتدليل بعض المعوقات الأساسية في تغيير المواقف والتحفيز على الإرادة العملية والقدرة الإنجازية للشعوب والتي من ضمنها :
_ دور الإعلام في المشاحنات السياسية التي تؤثر على علاقات الشعوب.
_ التحيز في استضافة الوجوه فلا يستضاف إلا من هو خالص الولاء لهذه الوسيلة أو تلك . وقد يكون تخصيص إعلام لمؤسسة أو منظمة أمر معتاد لا لوم فيه، إذ لا يمكن توقع إعلام محايد لا تؤثر فيه توجهات المؤسسات المالكة والمنفقة، ولكن الإشكال يحدث حين تقنع بعض المنابر الاعلامية أنها تخدم قضايا عموم المسلمين في العالم، وهي لا تعدو تروج بتقنيات عالية لتكتلات ومنابر من تناصرهم بحق أو باطل.
_ السخرية من بعض الشعوب إما بنعتها بالجهل أو الغرور أو الغباء أو الكذب أو العهر أوالعنف أو الكسل مما يرسخ العداوات بصور نمطية تروج بين شعوب مجتمعاتنا العربية والاسلامية
_تدقيق في نقل وعرض المعلومة بمصداقية والابتعاد عن التزايد الإعلامي الذي يؤدي للفرقة والصدام.
_المسابقات الرياضية.. ودور الإعلام السيئ في إشعال فتيل الخصومات والعداوات بين أبناء الأمة الذين يجتمعون على وحدة العقيدة والتاريخ والحضارة والمصير المشترك.
إن الإثارة الإعلامية والسعي وراء تحقيق التميز، جعل الاهتمام ينصب على 10% من الخلافات ويغيب الحديث عن 90 % من المشترك الديني والثقافي والجغرافي والسياسي والاقتصادي والحضاري لأمتنا، وهذا التغييب جعل الأمة للأسف تظهر وكأن الأصل فيها الخلاف.
_الاهتمام المتواصل بحوار العوام،وذلك بنبذ منهج الإفراط والتطرف ورفع الأيدي عن شحن فئة العوام من شعوب العالم الإسلامي، بخلافات دامت أكثر من ألف عام وتغذية مشاعرها بالبغض والكراهية انتقاما لمظلومية تاريخية أو سوء فهم آني مرحلي ، أو اختلاف في الرأي والفكر، ينتج عنه تزايد بعض الجهات الاعلامية ،باستعمال أسلحة رد الفعل ،وشحن المتلقين بأفكار مسمومة لا علم لهم بحقيقة مرجعيتها ومصدرها ،وللأسف قد ينتقل وباء شحن الشعوب من القضايا الدينية والفكرية والسياسية إلى مستوى اللعب والرياضة ولطالما استوقفتنا مواضيع الصراع حول مباريات منافسات التأهل لكأس العالم ،والتي جندت فيها اقلام ومنابر بعض الجهات الاعلامية ،لتغذية مشاعر الحقد والكراهية،ورفع رايات القتال في ساحات الملاعب بين أبناء وطن عربي وإسلامي واحد يجمعهم تاريخ واحد ونضال في قضايا مصيرية واحدة ،فنصرة الشعوب لفريق بلدانهم ليس عيبا بل هو واجب وطني، لكن قد يتحول إلى ممارسات تغير مواقف المؤيدين من ساحات الملعب والتنافس الرياضي، إلى الحكم بمواقف سياسية وشعبوية محرضة اتجاه شعب بأكمله، صحيح قد تقع أخطاء بين متعصبين من كلا الفريقين، وهذا يحصل حتى في أكثر البلدان تقدما بريطانيا وما يعرف عن متعصبيها وتطرفهم في الملاعب،ولكن على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة أن لا توظف هذه الأخطاء سلبيا، لأنها ملزمة برسالة أخلاقية،ومسؤولية موازناتية استراتيجية، دورها الحراكي المجتمعي الفاعل، هو الترشيد والتوجيه، والتأثير الإيجابي على عقول المتلقين المختلفين في نزعاتهم وطبائعهم المتباينة ومستوياتهم الفكرية والمعرفية والأكاديمية والاجتماعية المختلفة .
على الإعلام في بلداننا اليوم أن يساهم بشكل إيجابي ومؤثر وفاعل في بناء وغرس عناصر الوحدة والارتباط بين أبناء أمتنا ،أن يبحث عن المشترك الحضاري والفكري والتنموي،لا أن يلعب دورا سلبيا في إيصال المعلومة دون التدخل بتحليلها وشرحها وتبسيطها للمتلقين ،مع الابتعاد عن التحيز في استضافة المحسوبية المنبرية العابرة على حساب الكفاءات ، والبحث عن النخب المثقفة الحقيقية ،و فتح منابر إعلامية لهم للنقاش المعرفي الواعي بتدليل سبل الخلاف والتمكن من آليات التقريب في قضايا خلافية اجتماعية أوسياسية أو فكرية او مذهبية توضح أبعاد وتداعيات المشاكل المطروحة ،بقراءات موضوعية تراعي مستقبل توازن المصالح المشتركة بين بلداننا .
ولعل القراءة الاستشرافية المستقبلية لوحدة بينية واعية بدور تكثلها كقوة فاعلة في تنمية دول جنوب جنوب وريادتها في سوق منافسة عالمية تحتكم لشعار الغلبة للاقوى والانفع والأصلح ،قد تجعلنا نعيد حساباتنا في مراجعة أخطاء بعض التوجهات الاعلامية المتعصبة،ّ لفريقها الرياضي أو السياسي أو الفكري أو المذهبي،والتي تعمل من دون وعي على هدم علاقات تاريخية نضالية بين شعوب شقيقة عقيدتها واحدة ،ولغتها واحدة ،وتاريخ نضالها واحد، ومستقبل قضاياها المصيرية جغرافيا وسياسيا واقتصاديا مشترك.
