سعيد المودني
فيما مضى من الأيام كانت صحيفة أسبوعية قد نشرت ملفا حول ما حققته حكومة سابقة في مجال السكن في السنوات الأخيرة، والإخفاقات التي حصلت في هذا المجال، والعراقيل والتحديات التي جابهت المشاريع المراد إنجازها... وتضمن الملف بعض الأرقام والإحصائيات حول المنجزات وكذا المشاريع التي هي قيد الدراسة أو الإنجاز أو في الانتظار وتلك التي تعذر إنجازها لسبب من الأسباب فتم إلغاؤها أو تجميدها، ثم بعض الأمثلة للعقبات والمشاكل التي صاحبت كل ما سبق ذكره. وأهم مشكل وأغربه هو تصريح مسؤول في وزارة(بوجاه احمر) واعترافه بأن 50% على الأقل من مبيعات قطاع السكن يصاحبها "النوار" أو "السو-طابل"!! وهذا أمر غير قابل للتأطير في أي إطار، ولا للتصنيف في أي صنف. والتصريح هذا وإن كان يتعلق بمسؤول سابق في حكومة سابقة، إلا أن امتداده لازال مستمرا إلى يومنا هذا حيث أن المشكل المثار يمثل خللا بنيويا قارا لا يتعلق بحكومة تصريف أعمال بعينها. وهذا ما يبرر طرحه في كل وقت وفي كل حين، تماما كما هو حال غالبية مشاكلنا التي ابتدأت مع خروج السي اعمار ولازالت صامدة مع اعمار.
عندما تعترف الدولة بذاتها وصفتها بأن أكثر من 50% من المعاملات التجارية في قطاع بهذه الأهمية(الحصول على سكن هو حلم أي إنسان) يتم خارج الشرعية القانونية في ظل وجودها، وتثبت ذلك من خلال دراسة ميدانية، فأي وجود هذا؟
نحن نعرف أن النسبة حقيقة هي 100% أو في حدودها تماما، وعلى ذلك دليلان: أولا، أن كل من التقيتَه وسألته عن هذا الموضوع يجيبك بخضوعه لذلك الشر الحتمي، وهذا دون استثناء إطلاقا. ثانيا، أن دولتنا، بحكم معرفتنا الجيدة لها، ما كانت مضطرة لأن تعترف بتلك النسبة إلا عندما وجدتها مضاعفة. وعلى أي فهذه جزئيات وتفصيلات فرعية لا تهم كثيرا بقدر ما يهم المبدأ.
إنها منتهي الوقاحة أن تصرح دولة بعظمتها بشرعنة جريمة بهذا الحجم وبهذا الشكل بحجة عدم إمكانية إثبات الجريمة، والفراغ التشريعي في هذا الباب. عجبا! كيف أثبتوا إذن حصول تلك النسبة المعلن عنها؟ وكيف اعتبروها جريمة؟ إن هذا الإثبات وهذا الفراغ المتحدث عنهما يؤكدان صحة مقولة القائل: إن البلاد تعيش فراغا تشريعيا مهولا، وما نجا من هذا الفراغ فإن قوانينه فضفاضة وقابلة لعدة تأويلات تصل حد التعارض، والنزر القليل من تلك القوانين "المُحكمة" لا تلبي الفلسفة والروح والهدف الذي من أجله تُسن التشريعات، و"الحفنة" الخالصة الصافية من الشوائب السابقة لا تطبق إلا إذا كانت ضد ضعيف أو لصالح قوي! فتكون الدوائر كالتالي: فراغ تشريعي، ثم قوانين فضفاضة أو جائرة أو هما معا، ثم شطط في تطبيقها. والدوائر تلك لا تنتج إلا فراغا سواء وضعت منفصلة أو متقاطعة أو حتى متطابقة!..
إن ذلك التصريح كان بمثابة "شهد شاهد من أهلها"، أما شهادة "خصمها" فإنها تنسف الطرح بكامله من القواعد، حيث أنه(أي الخصم) يرى الموضوع غاية في البساطة: بيع وشراء، طلب وعرض، حاجة واستغلال، فقر وجشع... فأين هو تدخل الدولة لصالح الضعيف؟
إن المستفيد الوحيد من هذا التدخل هم أولئك "البارونات" الذين يغذون أرصدتهم الطفيلية من دماء المستضعفين، فتجازيهم الدولة على حسن صنيعهم ذاك بإعفائهم من الرسوم، وتسهيل المساطر، وغير ذلك من التدابير القانونية، أما ما خفي فهو دائما أعظم.
