أحمد الإدريسي
حينما بدأت إرهاصات ما أطلق عليه إسم "الربيع" ، لم يكن أمام من انخذع به غيرالتصفيق والترحيب ثم التفاؤل بمستقبله. وقد نلتمس العذرلكل ظمآن تائه في صحراء قاحلة يركض خلف السراب ، وحتى الساعة، لا اخضرار في "الربيع" ما دام لا يوجد ماء في السراب
اختلف الإسم على حسب المعتقد ، فذو التوجه الإسلامي يصفه ب "الربيع الإسلامي" ، وذو التوجه القومي يسميه ب "الربيع العربي" وآخرون يكابرون ويصرون على تجريده من صفة العروبة على اعتبارأنهم ليسوا عرب بعض متطرفي الأمازيغ مثلا... فينعتوه "الربيع الديموقراطي
وأياً يكن الإسم؛ فالنتيجة هي الأساس. واقع ذو طابع مأساوي - على جل إذ لم نقل كل الأصعدة - ويظل أسوأ مما كان عليه من قبل ، وتلك نتيجة في عداد «تحصيل الحاصل» بعد سنين من لقمع والاستبداد الذي يولد الخوف والضياع ،لكن الذين صفقوا ورحبوا بعدما انخذعوا بأنه "ربيعاً" ، جاهلين أومتجاهلين في غمرة الاحتفال ببدايات ما جرى، جملة من الحقائق المهمة تشكل حاجزا في وجه نهضتنا،منها أننا شعوب تحركها العاطفة ، قد ورثنا ثقافة تقديس الحاكم، وصنع منه أحياناً طاغية ومستبداً، ولم تتأسس لدينا، حتـــى اليوم، ثقافة تستبدل مفهوم "السلطة" بفكرة معاصرة حضارية تتمثل في «الإدارة» لا أكثر ولا أقل. وهنا مربط الفرس، فما لم تكن الإدارة المؤهلة والمسؤولة هي مصدرشرعية مؤسسة الحكم، فسيظل الصراع السياسي جاثما ،وموظفا "الشرعية" لتبريرالبقاء في السلطة مخلدا في ما يخص "الأنظمة الملكية" أو لمدة أطول بالنسبة" للأنظمة الجمهورية" . وهنا يُوظف الدين لإسباغ "الشرعية " حتى على أشد الأنظمة السياسية شمولية وفساداً واستبداداً. سواءا منذ العصورالأولى أو الأمس القريب أو في حاضرنا المعاش .- ألم يدعي" فرعون " مصرعلى أنه الاه حتى يضفي الشرعية على حكمه التسلطي!؟.
-ألم يأمر صدام حسين حينما اشتد الحصارعليه بإضافة «الله أكبر» على العلم العراقي!؟
ألم يحكم في عصرنا الحالي حكاما - رغم أن حكمهم استبدادي - باسم النسب الشريف لأهل البيت !؟
في هذه الحالات الثلاث يتم استغلال الدين وتوظفته من أجل إيهام "الشعب" بشرعية النظام . وفي هذا الإستغلال نقع في المشكلة إهمال «الإدارة» من أجل إثبات شرعية الحكم ، وفرضها على رقاب الناس في نمط تمويهي صوري تحت غطاء الديموقراطية وصناديق الاقتراع. وهذا النمط من الحكم قاد - من قبل - ولا زال يقود إلى كوارث مأساوية مرعبة، جعلت من العالم العربي مُتصدّراً لقائمة المتخلفين عن ركب التنمية،وشواهد تخلفنا الإنحطاطي أكثر من أن تُحصى ،وما مظاهرالأمية والعنف والتطرف و....إلا نتائج لذلك الإستغلال البشع للشرعية الدينية
إننا عملياً بحاجة إلى توعية تحتفي بالأفكار الجديدة وتؤمن بالتنوع والتعدد في الآراء والقناعات، وتؤسس لمعركة وجود جديدة أدواتها العلوم والمعارف والانفتاح الواثق على المستقبل، وهدفها البناءو التنمية ، وإن لم تتحقق هذه التوعية فقد نظل أسرى لكذبة "الربيع" لعقود مقبلة، وعلينا أن نواجه أنفسنا بحقائقنا المؤلمة، فالواقع في بلــــدان "الربيع" لا يقل سوءاً عن ماضيه. تغيّرالشكل وبقي الجوهر،تغيرت الواجهة وبقي ما خلفها، واستبدلت وجوه جديدة بتلك القديمة، وما زالت الممارسات هي ذاتها، لأن الـــواصلين حديثاً إلى السُلطة منشغلون جداً بتثبيت أركان حكمهم، كما كان سابقوهم منشغلين بقمع كل من يحاول المساس بعرشهم ، وما لم نؤمن - كمجتمعات - بأن النقد البناء حق إنساني ومسؤولية لجميع المواطنين، فإننا إنما نصنع لأنفسنا – من جديد – ديكتاتوريات جديدة ومستبدين جدداً، ولكي نصبح جزءاً فاعــــلاً من مجتـــمع «الأمم الحــــــية» فليس أمامنا سوى قراءة تجارب تلك الأمم الناجحة حينمــــا غلَّبت مصالح الوطن العليا على مصالــــح الحاكم والقبيلة والجماعة والحزب والفرد ،واتخذت النقد البناء- ونقد الذات تحديداً - منهجاً وفكراً يُحـــتفى به، وليس جريمة يحاكم بسببها المخلصون فــــي رؤاهــــم ومخاوفهم الوطنية .أما من دون توعية للفكروالعقل والمنطق، فسنبقى في عزلتنا عن حقائق اليوم وتحديات المستقبل وآفاقه تائهين في جدل عقيم وأخشى أن نصبح أضحوكة القرن الثاني والعشرين ،فيقال عنا ما قيل عن البيزنطيين إنهم كانوا يتجادلون في جنس الملائكة ذكرانا أم إناثا، حين كان محمد الفاتح يدك أسوار بيزنطة "اسطنبول الحالية" سنة 1453! فإلى حين انتهاء الغرب من دككم دكا ، اتمموا جدالكم في صفة "الربيع" إسلاميا أوعربيا أو مغاربيا أو ديموقراطيا
