قبل وقوع الكارثة..ساكنة دور آيلة للسقوط بحي عين النقبي بفاس تناشد المسؤولين

برد الشتاء.. مواطن من ميدلت يدعو إلى توفير حطب التدفئة قبل وقوع “كارثة

السائقون المهنيون ضواحي ميدلت يحتجون ضد “النقل السري” ويطالبون عامل الإقليم بالتدخل العاجل

قـ.ـتلوه بالبوطا.. جنازة حزينة في وداع الشاب محمد ضـ.ـحـ.ـيـة صـ.ـراع بين الجيران بطنجة

استعدادا لعيد الأضحى.. بداية عمليات الإنتقاء والوشم للماشية سلالة تمحضيت بإقليم ميدلت

وصول منتخب نيجيريا لمدينة فاس بعد الفوز على الجزائر

تهافت القداسة

تهافت القداسة

سعيد المودني

 

يجب الخضوع للإجماع الوطني وثوابت البلاد ومقدسات الأمة و... ولكن عفوا، من أقر هذا الإجماع؟ ومن سطر هذه الثوابت؟ ومن سلم بهذه المقدسات؟

إن إقرار الإجماع يكون عبر آليات مؤسساتية ومكانيزمات ديمقراطية تؤطر وتتوج استحقاقات شعبية تفرز مواقف الناس من قضايا حياتهم اليومية داخليا وخارجيا في مختلف الميادين، لأنه إذا لم يوجد شعب فحتما لن تكون هناك قيادة تحتاج إجماعا ولا نسبية في أي موقف من المواقف. فالقيادة إذن كائن تابع طفيلي يتغذى ويغتني من دم وعرق هذه الجماهير التعيسة المعذبة التي تجوع كي تتخم قياداتها، وتفتقر كي تثرى زعاماتها، والأمر طبيعي طبعا ما دام لا يخرج عن قاعدة غريزة الأمومة في التضحية حتى ولو كان المولود عاقا، جحودا، لا يعترف لأولي نعمه بأفضالهم، ولا يقر لهم بتضحياتهم، بل يستغل شيخوخة مربيه العزل ووهنهم ويسلبهم، من فرط جشعه ونهمه وشرهه، ما يسد رمقهم ويقيم صلبهم ويحمي ظهرهم.

نعم يكون الإجماع بهذه الطرق والوسائل، فيمكن أن يحصل النظام القائم على الإجماع الإيجابي أو السلبي(مع أو ضد)، أو النسبية الإيجابية أو السلبية. ولو أنه عمليا لا يمكن بتاتا أن يحصل إجماع بالمفهوم العلمي الدقيق للكلمة(إلا عندنا طبعا)، لأن البشر جبلوا على الاختلاف حتى في المسلمات والبديهيات(ليس هناك أهم من الحق في الحياة، ومع ذلك فالناس في العالم ككل، لا يجمعون على حرمتها: الخلاف حول تشريع الإعدام والموت الرحيم والإجهاض...). وإذن، في غياب المقدمات المنهجية، لا يمكن الوصول إلى النتائج السليمة.

وبالتالي، كيف يمكن القول بالإجماع دون القيام باستشارات أو استحقاقات؟ أم أن الذي يدعو هو نفسه من يؤمّن؟ في كل الأحوال أنا لست مجمعا مع أي أحد على أي شيء. فعلى الأكثر إذن يكون هناك إجماع "إلا واحدا" الذي هو أنا، أي الأغلبية. أما إذا كان يقصد إجماع زعماء التسول السياسي، -وحتى هنا إن وجد هذا الإجماع- فهم لا إجماع لهم لأنهم لا يمثلون حتى أنفسهم، ولا أدل على ذلك من نسبة المشاركة في الاستحقاقات المهازل، رغم التضخيم والتزوير في تلك النسبة القابلة للإهمال والتهميش، ورغم أن أناسا، غفر الله زلتهم، دخلوا على الخط في اللحظة الأخيرة للسقوط، لينفخوا الروح ويبعثوا الحياة في جسد نخر، فأجلوا السكتة القلبية ولو إلى حين، لأنه حتى وإن أُنقذ من الموت الكامل، فإن ذلك لم يكن إلا للموت السريري، وهي حالة لا تختلف عن سابقتها، في الواقع، إلا في التسمية.

إن نسبة للمشاركة لا يتأكد تعديها لـ 40% من الناخبين المسجلين(والمسجلون أنفسهم لا يمثلون إلا نسبة من المواطنين المستوفين لشروط التسجيل) بمؤيديها ومعارضيها لا يمكن أن تعبر لا عن "إج" ولا عن "ماع" فما بالك ب "إجماع" مكتملة.

ومن أنجال "الإجماع الوطني": "ثوابت البلاد". ونحن لا نعرف من هذه الثوابت إلا ثابتا واحدا هو "الحاج ثابت" صاحب الحالة المشهورة في بداية تسعينات القرن الماضي، أما الباقي فهو متحرك، بل منثور في فج تهوي به الريح في مكان سحيق.

ما هي هذه الثوابت؟ ومن سطرها؟ ومتى؟ وإلى متى ستبقى سارية المفعول؟ ومن يحق له البت فيها؟ ومتى يكون ذلك؟...

فأنا لا يمكن أن أُلزَم أنا وذريتي إلى ما لا نهاية، بما قرره "حمورابي" أيام حكمه، لأنه كان قويا حينها واستغل ضعف أجدادي وسذاجة شعبي وخيانة "نخبتي". وإذا مرت أجيال لم تتساءل عن هذا الإجماع المزعوم، وهذه الثوابت الخيالية، فذاك كان شأنها، ولكن لا يمكن أن يؤسس لقاعدة، إذ من حق أجيال أخرى أن تستشار في شؤونها، فتتمسك وتلغي وتضيف ما تشاء. فهي المعني الأول، لأن أمر الملايين لا يمكن أن يحتكره بضع أشخاص ويستفردون به إلا بتفويض منهم(هذه الملايين) إلى أجل.

أما مسألة المقدس فشأن آخر مختلف تماما. فإذا كان الإجماع والنسبية والثوابت والمتغيرات هي مكونات تستمد معناها وشرعيتها من مواقف الناس من الناحية الكمية، فإن المقدس بالمقابل -على الأقل في مرجعيتنا- يستمد شرعيته من المطلق، لأن التقديس يفيد التنزيه وعدم إخضاع الذات الموضوع للرأي والنسبية. والذات الموضوع إما يكون قابلا للتقييم في ذاته أو في آثاره، فيخضع آنذاك لمعايير التقييم المختلفة، وتوضع له بالتالي عتبة يكون الإقناع بالجدوى فوقها، والعكس بالعكس. وفي كل الأحوال فالتقديرات تختلف وتتدرج فوق العتبة وتحتها. وبهذا المنطق، يكون الذات الموضوع بهذه الصفة غير قابل للتنزيه، ولا حتى للاحترام في حالتنا(ولو تواضعنا على أن العتبة هي "صفر").

أما إذا كان ذلك الذات الموضوع غير قابل للتقييم فالأمر لا يحتاج إلى طول تفصيل، حيث يدخل في المفاهيم والكائنات الغيبية، وبالتالي يُختزل الأمر في موقفين: حصول الإيمان والتصديق والتسليم أو عدم حصول ذلك. فيكون مقدسا بالنسبة للمؤمن، أما بالنسبة للكافر فلا يصح سؤاله أصلا.

إذن فما محل مقدساتنا نحن من هذا كله؟

إن أغلب ما يرَكز عليه في مقدساتنا(أما الباقي فهو للديكور والعطف) هي إما بشر(وهذا هو الغالب الأعم والغاية القصوى)، أو حوادث تاريخية، وفي كلتا الحالتين فهما موضوعان قابلان للتقييم وإبداء الرأي. فأين هو وجه التقديس؟

إن تقديم الوضع بهذه الطريقة له معنى واحد لا شريك له: منع القياس، ومنع القياس بدوره له معنى واحد: الخوف من الحصول على العلامة الموجبة للرسوب. لذا ترى الوالي يحصل دائما على شعبية تفوق 99,99%، وتراه يوفّق ويوافَق في كل ما يقدم عليه، وتراه لا زلة له، فهو معصوم أو غير بشر أصلا. وتراه موسوعي المعارف بدءا من الرياضة وصولا إلى الرياضيات مرورا بالطب والتنجيم. وبسبب ذلك ونتيجة له، تجد صوره تملأ الأرجاء وألقابه تشغل الرحاب، وباسمه تفتح الأبواب، وببركته تذلل الصعاب، وبحكمته يشرف على كل نشاط، ويُختص بالزرابي والبساط. فلا زعيم قبله، ولا نبي بعده. زعامته نسخت الزعامات، ووَلايته فاقت المقامات...

للإشارة فقط، فإن العامة تتساءل: قد خبِرنا المسؤول عن "رفاهيتنا"، ولكن ما لم نعلمه هو: من المسؤول عن مآسينا وذلنا وذلتنا ونقمتنا؟

إن أحدهم "تطرف" فقال: إذا كان هؤلاء أمراء المؤمنين فمن يكون عمر؟ وأنا أعتدل فأقول: إذا كان هؤلاء زعماء ملهمون، فماذا يكون مؤسسو الدول الكبرى الرائدة، وزعماؤها الذين جعلوا الفرق بين بلدانهم(تحت زعامتهم)، وبلداننا(تحت زعامة زعمائنا)، كالفرق بين الجنة والنار، ما دمنا نفر من جحيمنا لنرتمي في أحضان فردوسهم؟ ورغم كل ذلك فبالكاد تجد لهم صورة في عملة نقدية، أو اسما في شارع أو مؤسسة. بل تجد لهم مناصرين ومعارضين وناقدين ومحاسبين ونسبة تأييد لن تصل يوما حد الإجماع.

أما عندنا فيأتي الزعيم، بادئا، يعد مآسينا ويتبرأ منها، ويصرح بأنه لا يملك عصا موسى لتغييرها(ولا نعرف هل تستطيع فعلا تلك العصا أن تغير هذا الوضع المتوارث؟ بل هل كان سيدنا موسى عليه السلام يستعملها لمثل هذه الأغراض أصلا؟) لنجد بعد حين أن الوضعية المنطلق كانت رفاهية مقارنة مع الوضعية الآنية، ونقتنع جازمين أنه كان في الواقع يمتلك عصا(المهم أية عصا)، وإلا فكيف استطاع، في ظرف قياسي، أن يحدث كل هذا التغيير العجيب: فالبطالة ازدادت تفشيا، والفقر ازداد انتشارا، والجريمة ازدادت حدة، والانحراف ازداد شيوعا، والفساد ازداد استفحالا، والتسول ازداد تنوعا، والتشرد ازداد تناسلا، والظلم ازداد تمكنا، والمقبلون على الارتماء في أحضان الأمواج ازدادوا كثرة... وبالمقابل: الصفوة ازدادت ثراء، وعقاراتهم ازدادت شهوقا، وسياراتهم زادت الجو تلويثا، وأراضيهم ازدادت اتساعا، وأملاكهم ازدادت عددا، وبطونهم ازدادت انتفاخا...

ثم بعد هذا الغيض من الفيض، ترى قراراته كلها دائما صائبة ومؤَّيدة دون أي تحفظ، فلا تلقى إلا ترحيبا وتيمنا، وصوره في كل شارع وفي كل حجرة، واسمه يطلق على كل محج وكل مؤسسة، ولقبه منحوت قرب كل جبل وكل بحيرة. كل نشاط تحت إشرافه الفعلي أو السامي، كل قطعة نقدية تحمل صورته(إلا غير ذات القيمة طبعا)...

بعد هذا كله تجدهم يتحدثون عن محاربة التطرف، ويقولون أن التطرف يولد التطرف(يقولون هذا طبعا لإسرائيل وليس لأنفسهم، فهم معاذ الله أن يكونوا متطرفين)، مصداقا لقانون قوى الطبيعة: لكل فعل رد فعل مساو له في القوة وضاد له في المنحى. كما ينصحون القوى العظمى بعدم الاكتفاء بالمقاربة الأمنية لمعالجة قضاياها، لأن هذه المقاربة وحدها تأتي بنتائج عكسية!...

أيها الإنسان إنك إذا أوهمتني بقداسة النسبي، فلن أقدس حتى المطلق، وإذا أوهمتني برشد تصرفات سفيهة فسوف أسفه حتى التصرفات الرشيدة: لكل فعل رد فعل... ويبدأ التطرف يقابل التطرف والفكر البادئ أظلم. "قالّو أبّا أنا كنكدب على الناس وهما كيتيقو بيا، قالّو عاد أولدي تقول الحق وما يتيق بك حد".

نعم، تمتلك السلطة اليوم الأصفاد والأقفال والسياط والمزامير... وقبل ذلك وبعده الزبانية، لكن دوام الحال من المحال، ومهما طال الليل لابد أن يصبح الصبح وفي التاريخ عبر لأولي الألباب.

إن طوابير وطابوهات المقدسات عندنا ممتدة، ومنها: رفض استعمال "العنف"(أي القوة في حقيقة الأمر) لتحقيق أهداف سياسية(الوصول إلى السلطة)! ورغم أنه لا عاقل يشرعن "العنف" إلا أن التساؤل يبقى مشروعا لتوضيح أن المسألة ليست بالبساطة والسطحية التي يقدمونها بها لنا.

سمعت يوما إنسانا مهتما غيورا متعقلا يقول: << نعم، "العنف" مرفوض في وجه المؤسسات المنتخبة من طرف الشعب لأنها تمثل الأغلبية ولأفق منظور ومتفق عليه، لكنا نخشى أن يفضي هذا الوضع إلى الخروج عن السيطرة بحيث يستغله اليائسون أو المتحمسون بحجة ما العمل في مواجهة أجهزة لولا العنف(هذه المرة دون مزدوجتين) والتقتيل والتنكيل ما وصلت لتتحدث لا عن العنف ولا عن اللين؟ ثم بماذا تواجه النضالات المشروعة لشعوبها الآن وهي قائمة؟(زعما هما كيضربو بالسفنج؟). إن جل الأنظمة العربية هي أنظمة غير شرعية لا منشأ ولا بعد ذلك، لا تقدم للمناوئين غير العنف بكل أشكاله. فما العمل إذن في مثل هذه الحالة؟ الاستكانة و"تفويض الأمر إلى الله"؟ وإلى متى؟ إلى أجل غير مسمى؟ وإذا كان الأمر هكذا، فلماذا تقاوم الشعوب الاستعمار؟ إذا كان لا يجوز استعمال "العنف">>.

إذا كان المسؤولون يحرمون استعمال العنف ضدهم داخليا تحريما مقدسا يجعل استعماله من الكبائر التي لا تغتفر إذ يفوق الشرك بالله إثما، فإن لهم إسوة في الحبر الأعظم العم سام. فهو دائما بحكمته وبصيرته ورأفته بالعباد، يدعو إلى ضبط النفس ولين الجانب وتغليب الحوار في حل كل المشاكل العالقة إلا إذا كان هو طرفا فيها، آنذاك لم يثبت عنه، عبر تاريخه القصير(زاده الله قِصرا)، بتاتا أن حل أزمة وديا عبر المفاوضات السلمية. بل إنه حتى إذا أخطأ أو نسي ووقع اتفاقية فيها صالح الإنسان، سرعان ما يتدارك خطأه أو نسيانه ويعود ليُحِل كاهله من أعبائها، وإن كان معروفا أنه لن يلتزم بما فيها حتى ولو بقي من الموقعين.

هكذا إذن يسن الحبر: ممنوع أن تحلوا مشاكلكم "بالعنف" فهذا يشجع على الكراهية، أما أنا فممنوع أن أحل مشاكلي باللين، فهذا يُنقِص من هيبتي.

وتحضرني أخيرا في مسألة المقدس مفارقة عجيبة أغرب من الخيال لا أظن أن تاريخ البشر قد شهد لها مثيلا حتى في العصور المظلمة أو الحجرية: تطرف المجتمع الغربي في رفض المقدس، والدفاع عن العقلانية والحرية، وإخضاع كل ما يخطر على البال للنقد والتمحيص العقلي، كل هذا من جهة، ومن جهة أخرى، منعه الشديد، تحت طائلة العقاب المؤلم، لمسألة التشكيك في وقوع المحرقة اليهودية أو مجرد البحث في حجمها(إيوا اللي نعرفو كيطير فالفهامة يفهم ويفهّمني معاه الله يرحم لو الوالدين)!!!!

فلا عجب في مقدسنا، ما دامت بلاد الانفتاح لا تستطيع أن تنقد أو تمحص أو حتى تدرس حادثة تاريخية(هذا إن حدثت أصلا)، ثم تتطاول على رموز قوم آخرين بالسخرية والتهكم.

 

ومن مستلزمات ذلك منع معاداة السامية! هل سبق وأن سمعتم بحب بالإكراه؟ يجب أن نحب اليهود محبة تفوق محبتنا لأولي أمرنا وربنا ورسولنا(أولي الأمر هنا تنازلوا عن منزلة "المحبوب" الأول لأنهم هم بدورهم يجب أن يحبوا السامية قبل أنفسهم). هؤلاء عقلانيون؟ إن أبسط زجالينا قال: "المحبة مشي بالسيف". فهو إذن أعقل من أعقل عقلائهم، وأحكم من أحكم حكمائهم.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة