أحمد الإدريسي
حيران" لقب لشاب تجاوزعقده الثالث، حائز على شهادة جامعية تخول له الحصول على عمل ،لكن للأسف لازال معطلا ، عادته أن يمر بجانب أحد الأكشاك صباح كل يوم ليتصفح بعضا من الجرائد . اثار انتباهه مجلة كتب على غلافها الأمامي عنوانا بخط عريض يقول "إضحك يضحك الجميع معك ،ابكي تبكي وحدك ". بدأ الشاب الحيران لقبا وفكرا يسترجع نفسه ويلومها مخاطبا :
أي نفسي الغيرالمطمئنة ولا الراضية على الوضع ، يبدو أنك تستحقين ما تعانيه من تدمر واضطراب ، وكل ما يحصل لك ما هو إلا ما تستحقينه من جزاء ،ما دام العبوس والسخط والضجرهو رفيقك الملازم وخليلك الدائم ، فمنذ زمان لم تطلقي لمبسمي العنان كي يضحك ، أنظري ماذا تقول المجلة ، مفتاح النجاح ومنبع الفلاح هو أن تضحكي ليضحك الجميع معك ويواسك ثم يأخذوا بيدك ، فتحل جميع مشاكلك المستعصية ، وأولها الشغل ...
لم ينتظر الشاب "حيران" ولو لحظة كي ترد نفسه على السؤال دفاعا ، بل عجل - رغم أن العجلة من الشيطان الذي ظهر في هذه المرة على هيئة مجلة - ونظر الى كل من كان حوله من الناس ، وأطلقها قهقهات مدوية هزت أركان الكشك. وأثارت انتباه الناس الذين ازداد انتباهم الى قهقهاته المتعالية و الهستيرية التي لم تتوقف ، ثم تحول هذا الإنتباه الى فضول ، واختلطت جلبة الأصوات ، فمنهم من يقول إنه مخمور، ومنهم من يقول إنه مختل عقلي ....
مرت نصف ساعة فاذا بسيارة الوقاية المدنية تنقله الى مستشفى الأمراض العقلية ،بعد معاينة لرجال الشرطة بعين مكان الواقعة حيث لم يوجد اثبات يؤكد أن الشاب كان مخمورا .
أُدخل الشاب " حيران " الى المستشفى وهو لا زال يقهقه ، وبعد أن تلقى حقنة مهدئة ، أدركوا أنه إنسان سوي وعاقل ، وقد يعاني من إنهيار مباغث ومفاجئ ، فتركوه في المستشفى لعله يأخذ قسطا من الراحة . وبعد أن استيقظ الشاب "حيران" لم يعتذر لنفسه ويطلب منها المسامحة ، بل ازداد في عناده مخاطبا إياها :
إنني أخطأ في الضحك أمام جماعة من الحيرى مثلي، قالها وصعد الى الطابق العلوي يبحث عن المسؤولين كي يطلب نصائحهم ، جلس في قاعة الإنتظارحيث يجلس المرضى ومن يصحبهم ، كانت في زاوية الغرفة شاشة تلفاز تنقل بثا مباشرا لوقائع جلسة برلمانية مشتركة بين مجلس النواب والحكومة. وبعد لحظات من البث شرع الوزراء والنواب يتراشقون الإتهامات فيما بينهم ، بل وصل الأمر الى القذف بأوراق ومستندات تحمل قوانين المجلس وفصول عن الدستور. فما إن انتهت الجلسة حتى عادوا من جديد الى العناق وتبادل التحايا والضحك بأصوات عالية فاقت قهقهة الشاب " حيران" .
فطن الشاب " حيران" الى الجلسة التنكرية التي يعيشها من يتحمل مسؤوليتنا هذه الأيام ، بحيث تاهت الضوابط بين المواقف التي تستوجب التراجيديا و المواقف التي تستدعي الكوميديا ، فما كان ذات يوم سبباً وجيهاً للبكاء أصبح سبباً أكثر وجاهة للضحك والقهقهة . وما دام الإنسان ابن بيئته فضحك المسؤولين لم يزد الشاب "حيران" إلا اصرارا على الضحك مخاطبا نفسه للمرة الثالثة : سأضحك وأضحك ثم أضحك .... لعلني أصبح مسؤولا ذات يوم .....ثم أطلقها ضحكة مدوية . وبأمر من طبيب المستشفى الذي أزعجه ضحك الشاب ، تم تقييده من طرف ممرضين غلاظ شداد ووضعه في الجناح الخاص بإعادة الإدماج والتربية بتهمة الضحك بدون سبب قلة في الأدب.
