الزاهيد مصطفى
إلى شباب حركة تمرد النسخة المغربية، أنظر في سحنة وجوهكم متأملا، وفي نفس الوقت مشفقا على بعض ما جاء في خطابكم، أرى شيئا من الغرور باديا، واستسهال السياق الذي تتحركون فيه، وهو غير مقبول في السياسة، سيستخدمونكم لبعض الوقت مستغلين حماسكم، أو لنقل رغبتكم الصادقة كشباب في التغيير، في الحلم بمغرب آخر، ديمقراطي ومستقل.
لست ممن يعشقون الخطاب التقليدي، الذي يصف كل ساذج في السياسة بالمتمخزن، بل أرى رغبة صادقة منكم في التغيير وأحترمها، وهو ما ناضل من أجله شباب عشرين فبراير، وكانوا شبابا متمرسين سياسيا، خاضوا معارك نضالية في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وفي الأحزاب. وهيئات المجتمع المدني، وسايرهم الشعب وفئات واسعة منه، لأنها آمنت بمشروعهم، ورغم ذلك تكالبت عليهم المؤامرات من الداخل والخارج، وارتكبوا أخطاء فادحة، بدأتم في ارتكابها، ولا يمكن لكم النجاح إلا بتجاوزها، وسأذكر لكم أهم هذه الأخطاء:
لقد بدأ الخطأ الأول منكم حين بدأتم تسقطون في استراتيجية الإعلام الذي بدأ منذ البداية في تنصيبكم زعماء للحركة، مما يعني شخصنة حركتكم، وحين تنفذون المهام التي يريدونها منكم سيعودون للنبش في تاريخكم وحياتكم الشخصية، كما فعلوا بشباب عشرين فبراير ليسقطوكم في صمت، ويعزلوكم عن المجتمع، مما سيؤدي حتما إلى سقوط الحركة ونفور فئات واسعة من الشعب التي ستتعاطف معكم.
من بين أخطاء حركة عشرين فبراير، إختزالها في وجوه محددة، الخليفي، بوغالبي، شوقي،....والتركيز بشكل كبير على الخليفي. مما جعل تقلبات مواقف الخليفي تؤثر بشكل كبير على مسار الحركة، مما يوضح أن أي حركة اجتماعية لا تكون لها هوية واضحة، وأهداف توحد كافة المنخرطين والفئات التي تستهدفها سيكون مصيرها الفشل، وأشد أشكال الفشل هو ما يصيب الحركات التي تكون مرتبطة بأشخاص محددين.
إن الإستراتيجية التي رسمتموها لطريقة نضالكم في اللقاء الصحفي الذي عقدتموه والأفق الاستراتيجي الذي حددتموه للحركة، ولخصتموه في الخروج للشارع، وأخذ فترة راحة من أجل الإعداد من جديد، هي استراتيجية تفيد المخزن أكثر مما تربكه، وأعتقد أنه بهذا الأفق سيكون لكم هدف واضح، يتلخص في احتلال الشارع والتشويش على الرأي العام، حتى لا تنبثق منه حركة قوية وحقيقية، قادرة على الدفع بمطالبها السياسية إلى حدودها القصوى، الشيء الذي سيمنح النظام السياسي فرصة ليعيد تسويق صورته في الغرب من جديد على أنه نظام ديمقراطي ويشكل الاستثناء دائما وأن الشعب المغربي، شعب يحب "الكوتاكوت" في عملية البناء الديمقراطي.
الملكية البرلمانية التي تطالبون بها وتضعونها كأفق لحركتكم، تربطونها بالنزول الأولي عند الشعب لتأهيله ثم التفكير في الملكية البرلمانية، وهو رأي يصعب على السياسي أن يقبله، بل يبدو رأيا مشوبا بالغموض، ويلمّح إلى تقارب مع أراء سبق لنا أن سمعناها من أحزاب تتبنى هذا النوع من لوك المفاهيم والخطابات، فهو رأي لا يمايزه عن بعض الشعارات الغامضة التي يرفها بعض"شيوخ"الأحزاب، حينما يحاولون الإلتفاف على الشعب في مطلب "الملكية البرلمانية" بإبداع مفهوم"الملكية،الدستورية،الاجتماعية"ووو !،وهي المفاهيم التي لاتوجد في القاموس السياسي، إلا في المغرب، حين لا تكون الأمور والاختيارات واضحة.
وبخصوص الملكية البرلمانية واتهامكم لشباب عشرين فبراير أنهم لم يكونوا واضحين مند البداية في مطالبهم، فهذا خطأ وافتراء، فالبيان الأول الذي أطلقته الحركة وهو متوفر اليوم على الشبكة العنكبوتية، يفيد بما لا يدع مجالا للشك حول المطلب الذي رفعته الحركة وهو الملكية البرلمانية، باستثناء بعض الفرقاء من داخل الحركة الذين حاولوا التجدر أحيانا بشعارات خلال المسيرات، كان الغرض منها المزايدة في غالب الأحيان على باقي الفرقاء ضمن الحركة.
إن المشكل اليوم في المغرب، هو ما عليكم الوعي به، لايختزل في حكومة فاشلة أو في جهاز إداري فاسد معين، بل هو مشكل نظام سياسي ليست لديه الإرادة السياسية الحقيقة للانتقال نحو الديمقراطية، وهو ما يشهد عليه المستوى الوضيع للتعليم الذي كان من المفترض أن تكون عملية البناء الديمقراطي تتأسس عليه، من أجل بناء المواطن القادر على الانخراط الفاعل والنقدي في بناء هذه الديمقراطية. هذا المواطن الذي أضحى اليوم عرضة لكافة أشكال التضبيع بتعبير المناضل والبرفسور محمد جسوس، فالنظام السياسي بقاؤه رهين باستمرار الفساد، وبالتالي فإسقاط الحكومة، هو شعار شباط والأصالة والمعاصرة وشعار الإتحاد الاشتراكي اليوم مع زعيمه لشكر !
ولهذا إن كانت رغبتكم هي إسقاط الحكومة وفقط، فهناك من يقوم بهذا الدور ولا حاجة إليكم، إلا إن كنتم تريدون عن وعي أن تكونوا الأداة التي تقوم بهذا الدور، وهو ما عليكم الإنتباه إليه.
ستكون قوتكم ليس في السعي لمحو ذاكرة عشرين فبراري التي رغم بعض أخطائها، وهي أخطاء مقبولة سياسيا، فمن يمارس لابد وأن يخطئ، لقد حققت هذه الحركة الشعبية مكاسب مهمة للشعب المغربي، وبالتالي "فاستراتيجية محو الذاكرة" التي ترغبون في الانخراط فيها من أجل إعلان موت هذه الحركة والقضاء على ذاكرتها، وجعلها محطة عابرة وليست حدثا تاريخيا، هو العبث بعينه، فإن كانت لكم رغبة حقيقية في التغيير فعليكم التنسيق مع هؤلاء الشباب والاستفادة من تجربتهم، من أجل توحيد الجهود لإسقاط الفساد والفاسدين الحقيقيين في هذا البلد، والذين يملئون قنوات الشعب المغربي بكافة أشكال التفاهة، ويوجهون أبناءهم للاستماع ومشاهدة القنوات الانجليزية والفرنسية.
