سعيد المودني
مرة أخرى صدق الوعد ولم تقع أية مفاجئة، فالحال كما هو عليه، لا شذوذ، فاز الحاكم، والحاكم عندنا دائما يفوز.
أليس المصطلح مشتقا من الحكمة؟ وأي شيء أسمى من الحكمة؟ والحاكم عندنا يفوز سواء كان فردا أو مؤسسة. ولكن عفوا انتظر، ما الفرق بين الفرد والمؤسسة عندنا؟ بل هل للمؤسسة وجود أصلا في بلداننا؟ دعك من هذا كله، فليس الموضوع مجاله، ثم لست مستعدا لأتيه في أدغال السجال، وأبدد طاقتي، على قلتها، في فارغ الجدال؛ فسواء "تفردت" المؤسسة أو "تمأسس" الفرد أو بقي كل على حاله الأمر سيان. المهم أن الحاكم فائز لا محالة.
الغريب في الأمر أن الفوز يعني النجاح، والنجاح يتوج مجهودا، وثمرات المجهود تكون قابلة للقياس، خاضعة لمعايير التقييم، وإعطاء قيمة ينبني على ملاحظة الحالة الراهنة ودراستها والحكم على مدى تحقق الأهداف المسطرة لها آنفا. والأهداف تختلف حسب المجال المراد تنميته. وهو في حالتنا ما يسمى بالشأن العام، أي الحالة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية... للبلاد.
إن ازدراء هذه الحالة وانحطاطها وتدهورها... لا تحتاج إلى بيان أو توضيح أو برهان، لسبب بسيط هو أن فداحتها واستحالة تغطيتها أجبرت هؤلاء الحكام أنفسهم الفائزين المسؤولين عنها ماضيا وحاضرا ومستقبلا.. أجبرتهم على البوح بها وإبرازها في مختلف المنابر والمناسبات، وإن اختلفت الأسباب والنيات.
إذن أين هي المشكلة وقد اعترف الرجال بذنوبهم وأقروا بتقصيرهم؟
إن هذا هو لب الإشكال والمفارقة التي لم يبتل بها بنو بشر مثلنا! فكيف يفوز من وصل بالبلاد إلى الحضيض(باعترافه)، ليهوي بها أعمق في دركات الجهل والتخلف ثم يعود ليفوز ليفعل أكثر من ذلك، ثم يعود، ثم يعود... وكلما كان الانتكاس أكبر كان الفوز أكبر! وكأننا أمم نكافئ بالحسنى من يسرق أموالنا ويسلب حريتنا ويذبح أبناءنا ويستحيي نساءنا... وهكذا في كل مرة..
أي قوم نحن؟ أم أي جنس بشري هم؟ أم أي منطق مقلوب هذا؟ إن الخطأ قد يقع مرة، والاستخفاف قد يستمر برهة، لكن في كل مرة ولكل الوقت، فالوضع يستدعي وقفة مراجعة لكل القيم الإنسانية والمسلمات المنطقية والمعايير التقييمية، ولا نلوم تلك المؤسسة التعليمية التي أعلنت عن نجاح تلميذ كان قد مات بأيام عديدة قبل حلول موعد الامتحان!! بالله عليكم أجيبوني: ماذا حقق حاكم ليفوز؟
عند غيرنا الذين لازالت المفاهيم عندهم سليمة، والقيم فطرية، يقضي المنتخب، هيئة كانت أم فردا، فترته المحددة، وقبل نهايتها يتم تقييم المرحلة من تحقيق للأهداف والوعود، وتقدم للبلاد. فإن كان، فذاك، وإلا ف "شوفي غيرو"؛ أما عندنا فالزعيم الملهم واحد ووحيد وأوحد لا يجوز تبديله والنيل من بركته وإلا حلت علينا اللعنة. فاللعنة على من سن هذا أو ساعد عليه. وها نحن نقضي المدة المحكوم بها علينا نمجد سفاحينا فرحين بما أتانا ربنا مستبشرين بمن يلحق بهم. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
