ميمون نكاز
1)- أذاعت قناة الجزيرة مقطعا لحلمي النمنم في جلسة خاصة من جلسات مجموعة الانقلابيين المكلفة بكتابة دستور الانقلاب يصرح فيه، بل يقرر فيه أن الشعب المصري علماني بالفطرة والطبيعة، وأن الدستور الذي كلفوا وأمروا بكتابته، يجب أن ينص على علمانية الدولة المصرية، كما تضمن المقطع التصريح والدعوة إلى العنف الدموي، والإغراء بسفك وإنهار الدم المصري، لتقرير الواقع الانقلابي، وفرض نموذج الدولة العلمانية الاستبدادية الدخيلة على الشعب المصري، وقد قيل: ان هذا المقطع أذيع على الهواء خطأ وسهوا من التقنيين.
- ألخص ملاحظاتي على هذا الخبر في ما يلي:
أولا: حرص وحلم واستماتة المجموعة العلمانية المتطرفة، من أجل التمكين للدولة العلمانية، أمر معروف معلوم ليس جديدا ولا مفاجئا لنا، ولكني أرى أن هذا التصريح، وبهذه الطريقة المستفزة، وبهذه اللغة السوقية المثيرة، وفي هذه الجلسة، وفي هذا التوقيت تحديدا، يهدف إلى صرف النظر عن القضية الجوهرية الآن ، ( قضية الانقلاب) ، لينشغل الناس بقضية الدستور وهوية الدولة، وهي قضية فرعية في سياق الحالة الانقلابية، على الرغم من أهميتها البالغة.
ثانيا: استباحة الدماء، والدعوة إلى مزيد من السفح والإنهار الدموي، يكشف عن النفسية الدموية، ويعري العقلية العلمانية المغلقة المسطحة، التي عجزت عن المنافسة الفكرية والسياسية الراشدة، ويظهر سفل السقوط الأخلاقي المريع، الذي اندحرت فيه الجماعة العلمانية، الحاقدة المتطرفة، وفي الوقت ذاته، هو محاولة للترهيب والتخويف.
إني لا أطمئن إلى دعوى وشائعة أن هذا المقطع أذيع على الهواء خطأ وسهوا، بل أظن أنه أذيع عمدا وقصدا، لما ألمحنا إليه.
2)- زيارة أشـــتـــون ليلة البارحة للسيد الرئيس مرسي في معتقله، بعد لقاءاتها مع جماعة الانقلابين، ولقائها مع مجموعة التحالف الوطني، ثم اقتراحها إطلاق السيد الرئيس وجميع المعتقلين السياسيين، والعمل على تهدئة الشارع، والعودة إلى المسار الديمقراطي، تأتي في إطار المساعي الدولية لاحتواء الحالة الانقلابية ورفع الحرج الأخلاقي الشديد عن دول الاتحاد الأوروبي أمام شعوبها.
- ألخص ملاحظاتي على هذه الزيارة في ما يلي:
أولا: المنطق الدولي الغربي ــ بخصوص الأزمة المصرية ــ منطق عري عن كل قيمة قانونية وحقوقية وأخلاقية، والسلوك السياسي للإدارة الغربية ــ بخصوص القضايا العربية والإسلامية ــ في عمومه سلوك وصولي وانتهازي، تتحكم فيه معادلات الصراع على الأرض، من خلال حركة الشعوب القوية والفاعلة و المؤثرة، وهو سلوك حيادي ، بمعنى أنه سلوك منفعي ومصلحي، قد يتصالح مع أعتى الأنظمة وأبطشها، وقد يغازل أنظمة مغلقة فاسدة، لأنها تحفظ وترعى منافعه ومصالحه في المنطقة، ولأنها أنظمة عابثة بمقدرات شعوبها، مشغولة بغيها، مفتونة بشهواتها ومطامعها، لاهية عن مصائر وقضايا وهموم أمتها، وعلى رأسها، بل في قلبها القضية المركزية في الصراع العربي الإسلامي والإنساني مع الكيان الصهيوني ( قضية فلسطين )، وعلى ضوء هذا الثابت البنيوي في المنطق الدولي والسلوك السياسي الغربيين، نعي حالة التردد والقلق والصمت والسكوت بعد الأيام الأولى من الانقلاب، لرصد ومتابعة ومراقبة مجاري الأحداث وتطوراتها، لاتخاذ الموقف النفعي الانتهازي المطلوب، وبعد أن بدأت تظهر وتتأكد الحقائق على الأرض، المتمثلة في الرفض الشعبي الكبير للحالة الانقلابية، والذي تتزايد وتتوسع قاعدته الشعبية والجماهيرية يوما بعد يوم، وبعد الثبات والصمود البطولي المثير، الذي أبرزه الشعب المصري، واتساع نطاق هذا الصمود، والإصرار على مقاومة المؤامرة الانقلابية، خاصة بعد انكشاف الوجه الدموي المتوحش للانقلابيين في المجازر الأخيرة، تأتي هذه الشنشنة الغربية الأخيرة متعددة الأطراف ( أمريكا، فرنسا، الاتحاد الأوربي، روسيا...).
ثانيا: التحالف الوطني أكد ـــ أثناء لقائه مع أشتون ــ على المواقف المبدئية، والخيار الشعبي الرافض للحالة الانقلابية وما تلاها، وأن الاستمرار في المقاومة الثورية الميدانية السلمية، هي الصيغة العملية الإجرائية الفعالة الوحيدة للقطع والحسم مع المشروع الانقلابي، والعودة إلى الشرعية الدستورية والسياسية.
كل المؤشرات والمعطيات تؤكد أن الانقلابيين في مصر قلقين قلقا شديدا، يستشعرون الخطر الذي يهدد مخططهم الانقلابي، وأنهم يمكرون بالليل والنهار، سرا وعلانية، داخليا وخارجيا، لاحتواء الأزمة الكارثية بالحملات الإعلامية النفاقية الشرسة السافلة، وبالدعاية السياسية المغالطة الرخيصة، وبالمناورات الدولية المكيافيلية الداعمة، عساهم يفلحون وينجحون، بل إنهم يريدون ويسعون إلى خلط جميع الأوراق لاستعطاف الشعب المصري بإقحام حماس واتهامها بالضلوع في الأحداث.
إن مكر الله من وراء الظالمين الماكرين محيط، (إِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) سورة إبراهيم 46، وليعلم كل ظالم مستكبر أن مكر الشعوب المستضعفة الثائرة من مكر الله، و ليعلم ــ أيضا ــ أن قدر انتفاضتها وثورتها على ظالميها من أقدار الله عــز وجل، (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا، أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) سورة فاطر 42.
(أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ) سورة غافر 21.
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) سورة الروم 9.
والنصوص القرآنية البيانية لهذه الحقيقة التاريخية كثيرة كثيفة بالدلالات والمعاني، ليست الغاية الآن الانبساط فيها.
أيها الشعب المصري الثائر، يا أحرار العالم، صابروا، ورابطوا، وقاوموا، واجعلوا من العرق المتصبب في الشوارع و الميادين ماء طهورا تطهرون به بلادكم من أنجاس الانقلابيين، و تنقون به أرضكم من أرجاس المفسدين والمجرمين، واجعلوا من دمائكم غيثا روحيا تحيون به موات أنفس شعوب الأمة من ذل الاستعباد ومهانة الاسترقاق، واجعلوا من إخلاصكم وصدقكم وحسن بلائكم أنوارا تضيؤون بها دروب الجهاد، وتنيرون بها سبل العزة والكرامة لشعوب الأرض كلها.
