رشيد أخريبيش
الإعلام العربي صاحب الرسالة الهادفة والمهنية العالية في تزوير الحقائق وقلبها ، عاد هذه المرة بعد فضيحة الانقلاب الناعم على الشرعية في مصر ، ليستكمل أطوار ما تبقى من مسرحياته التي طالما قدمها للشعوب على طبق من ذهب ، حيث كان دائما السباق إلى تمرير ما يريده القائمون عليه من خطاب يبعث الأمل في النفوس ويصور أن الشعوب تعيش في جنة الفردوس، متجاهلا أن هناك هدف واحد للإعلام يجب أن يحاول الوصول إليه ألا وهو تنوير الرأي العام وزرع ثقافة الرأي والرأي الآخر .
ولأن الإعلام له دور كبير في عهد الثورة الإعلامية التي لا حدود لها ، ولأنه أصبح أقوى سلاح على الإطلاق استعمله البعض لإيصال رسالته إلى من يريد، واستعمله البعض الآخر لشيطنة خصومه، أو استعمل لإعلان الحروب وغزو البلدان، كما وقع مع العراق عندما قررت الولايات المتحدة الأمريكية احتلاله، حيث سخرت كل إعلامها لشيطنة الرئيس صدام حسين، وسلطت الضوء على أكذوبة أسلحة الدمار الشامل، وجعلت من مهاجمته الضرورة الملحة التي لا يمكن تجاهلها .
من يتمعن في الإعلام العربي سيجده في غالبيته إعلاما يفتقر إلى المهنية وإلى الحياد ، بل إعلامنا أصبح وسيلة في يد الحكام لإضفاء الشرعية على الانقلابات ، أو وسيلة لتوريث الحكم من الآباء إلى الأبناء ، لذلك تجدهم يطبلون للحاكم ويهتفون باسمه، بل يذهب إعلامنا العربي إلى تقديس الحاكم عملا بمبدأ أنه الزعيم لا شريك له في الحكم وإليه يرجع الأمر كله.
ما يقع الآن في مصر من حملات إعلامية بعد الانقلاب العسكري على الشرعية، سيعتقد وبلا شك أن هذا الإعلام قد انحرف عن منهجه الصحيح وتجاوز حدود المعقول، وأصبح بوقا يتحدث باسم الانقلابيين ،حيث سخر كل ما يملك من أجل الهجوم على كل من يطالب بعودة الشرعية ، فالإعلام المصري مفتوح على مصراعيه لقادة الانقلابيين ولمن يدعمون أطروحتهم هذه ، وسلاح فتاك في المقابل ضد كل من يعارض هذا الانقلاب الذي أعاد بمصر إلى سيرتها الأولى ، بعد أن خاضت تجربة ديمقراطية لم تشهد مثيلا لها على مر التاريخ .
وسائل الإعلام العربية كانت السباقة لدعم العسكر منذ الوهلة الأولى ، حيث مارست خطابا دعمت فيه كل تلك الإجراءات التي اتخذها الجيش لإعلان الحرب على أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي ، وسخرت عناوينها لشرعنة ما أقدم عليه الجيش ، حيث اعتبرت أن الجيش لم يتدخل سوى تلبية لنداء الشعب بعد أن فقد الإخوان شرعيتهم ومعهم الرئيس ، لذلك فالجيش أعاد رسم خارطة مصر من جديد حسب الإعلام العربي الذي ضرب بالديمقراطية وبصناديق الاقتراع عرض الحائط وتخلى عن مبادئه التي تستوجب نقل الحدث وتسليط الضوء عليه كما هو دون الانحياز إلى طرف دون الآخر، فكيف بإعلام يدعي أنه ينقل الرأي والرأي الآخر وبأنه بصدد نقل الرسالة الهادفة والنبيلة أن يبارك الحرب التي أعلنها الجيش الانقلابي على القنوات والفضائيات الموالية للرئيس مرسي ، وكيف به أن يثمن جهود الجيش في منع الناس من التعبير عن أنفسهم ألا يدل ذلك قطعا على أن مهنية هذا الإعلام قد سقطت إلى غير رجعة وباع مهنيته بثمن بخس للانقلابيين وأصحاب النياشين والرتب العسكرية الذين جاءوا ليعلنوا الحرب على الشرفاء من أبناء مصر.
جل وسائل الإعلام العربية ذهبت خلف بيان السيسي وطبلت له باستثناء قناة الجزيرة التي بقيت محايدة نوعا ما في تغطية الأحداث المصرية ، ما يعني أن هذا الإعلام بعيد كل البعد عن المهنية ، وعن الإعلام الهادف الذي يلتزم بالحقيقة والموضوعية ويحاول ما أمكن عدم السقوط في الو لاءات الحزبية التي تفقد الإعلام صبغته المهنية وتبعده عن رسالته الحقة التي من المفروض أن يتحلى بها .
ما يحدث الآن في مصر وغيرها من بلدان العالم العربي هو شبيه بما وقع في مصر سنة 1952 بعد ثورة 23 يوليو التي شن فيها العسكر حملة على الإعلام الشريف ومارس الهيمنة والرقابة على القنوات والفضائيات حيث وجد من بعض وسائل الإعلام الوسيلة الأنجع لاستمرار هذه الحملة التي كان وقعها كبيرا على مصر حتى ثورة 25 يناير التي حررت الإعلام من التبعية ووفرت له الحرية في أن ينقل الصورة كما هي عكس ما نراه الآن ، بعد أن تدخل الجيش حيث تم وأد الديمقراطية وكمم الأفواه والمشكلة أن الإعلام العربي أنه لم يقف أن ذهب خلفه ، بل ذهب إلى أبعد من ذلك ، ليعلن أن مصر عادت إلى الشرعية بعد أن كانت في قبضة الإخوان "الإرهابيين" دون أن يعي أن الإرهابي هو من يقتل المحتجين السلميين في الميادين ، وأن الإرهابي هو من يشن الحرب على القنوات الإعلامية ويسعى إلى تكميم الأفواه ، وان الإرهابي هو من يسخر إعلامه للهجوم دون مبرر يذكر.
من حق كل واحد في العالم العربي أو في دول المغرب الكبير أن يطلق إعلامه ، ومن حقه التعبير عن توجهاته في عهد الديمقراطية والحداثة ، شريطة ألا يخرج عن المهنية وينحاز إلى طرف دون الآخر ، أو أن يطبل للديكتاتورية التي يعرف أنها سبب كل المآسي في أوطاننا العربية والإسلامية.
لم يكن نابليون مخطئا ولا جاهلا عندما عبر عن خوفه من جريدة ، ولم يكن الزعيم السوفييتي لينين إلا خبيرا في مجال السياسة عندما قال بالحرف الواحد " أعطني منبراً للكلام وخذ كل الأسلحة ، لأن هؤلاء جميعا يعرفون أن الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تحقق أهدافهم هي الإعلام .فالإعلام أقوى من السلاح وأقوى من الرصاص خاصة إذا كانا إعلاما يتخد من الحياد مبدأه الأول ، أما إعلام الشرطة وإعلام القصور والإعلام الذي يسبح بحمد الديكتاتور كما هو الآن في مصر والعديد من البلدان العربية والإسلامية، الذي تجد محتواه لا يخلو من مدح الحكام والزعماء الذين صورهم الإعلام على أنهم آلهة لا يمكن الخروج عنهم ولو أفسدوا في الأرض ، ولو قتلوا الشعب ، ولو أدخلوا البلاد في الأزمات كما هو الشأن مع السيسي الذي خرج الإعلام المصري والعربي خلفه من أجل نصرته ، ليحق القول أن نظرية الإعلام الديكتاتوري تنطبق وبشكل كبير على إعلامنا العربي والإسلامي.
