قبل وقوع الكارثة..ساكنة دور آيلة للسقوط بحي عين النقبي بفاس تناشد المسؤولين

برد الشتاء.. مواطن من ميدلت يدعو إلى توفير حطب التدفئة قبل وقوع “كارثة

السائقون المهنيون ضواحي ميدلت يحتجون ضد “النقل السري” ويطالبون عامل الإقليم بالتدخل العاجل

قـ.ـتلوه بالبوطا.. جنازة حزينة في وداع الشاب محمد ضـ.ـحـ.ـيـة صـ.ـراع بين الجيران بطنجة

استعدادا لعيد الأضحى.. بداية عمليات الإنتقاء والوشم للماشية سلالة تمحضيت بإقليم ميدلت

وصول منتخب نيجيريا لمدينة فاس بعد الفوز على الجزائر

الشيخ محمد الفزازي: رحلة فكرية من التطرف إلى التطرف

الشيخ محمد الفزازي: رحلة فكرية من التطرف إلى التطرف

نورالدين الطويليع

 

""إذا أردت الحديث عن هذا الشعب بسوء فاغسلي فمك سبعا آخرها بتراب، وإن عدتم عدنا"".

         بهذه الكلمات الأقرب إلى لجاج عجائز البوادي وخصامهن خاطب الشيخ محمد الفزازي الكاتبة الإعلامية فاطمة الإفريقي في سياق هجومه على منتقدي العفو الملكي على المجرم دانيال، والذي سعى من خلاله بكل الوسائل والطرق إلى حشرهم ضمن من يريدون "تصفية الحسابات مع المؤسسة الملكية"، داعيا إياهم من موقع الغيور على الوطن إلى " الكف عن اللعب بمستقبل البلد".

         يبدو أن السيد الفزازي العائد لتوه من معسكر التكفير والتسفيه مازال محتفظا بمطرقة التطرف، التي عوض أن يرميها بعيدا بعد الأزمات التي سببتها للبلد، اكتفى فقط بتحويلها إلى جهة أخرى، وصار يهوي بها بكل قوة وعشوائية اعتقادا منه أنها آهلة بالمسامير، لا سيما بعدما تمت فرملته عن الضرب في الاتجاهات الأخرى، وكأني به قد مرض بهوس البحث عن المسامير، ووضعها نصب عينيه حتى ولو كان الأمر أضغاث أحلام، وبمعنى أوضح فالسيد الفزازي لا يمكن أن يعيش بدون تصور وجود أعداء ينافحهم بالدليل القاطع والحجة الظاهرة، ويظهر شجاعته الأدبية في مواجهتهم في استدعاء واضح لشخصية الشاعر الحطيئة، وهو بهذا المعنى مشدود بإشعال نار الخصومة التي تجعله يتلذذ برؤية اللهيب والشرارات المتطايرة، وفق رؤية لا ترى للحياة معنى إلا في ظل علاقة اقتناصية تستعدي هذا الطرف أو ذاك.

         من حقك سيدي أن تسعى لإشباع رغبتك التنينية بالانتقاد والمعارضة وإبداء الرأي، لكن كشيخ يجدر بك أن تبتعد عن منطق الدسائس والكيدية الذي نهجته حينما رميت خصومك بتهمة معاداة الملكية، مع ألا أحد منهم تعرض لذات الملك في هذه الواقعة بسوء، وأن تعليقاتهم اقتصرت فقط على القرار، لا على شخص متخذ القرار، وهنا يبدو أنك خضت في الماء العكر حتى تلطخت، وحاولت من ثمة  الاحتكاك بالآخرين من أجل تثبيت تهمتك لهم مستدلا على ما بقي عالقا في ثيابهم من بقايا الطمي.

         واقعة انتقاد العفو الملكي لا تنقص شيئا من قيمة الملك، ولعل تجاوبه مع المنتقدين خير دليل على ما نقول، إذ لو رأى فيها ما رأيت لما أقدم على ما أقدم، بالعكس سيدي ربما كان الصمت من قبل البعض ــ وأنت منهم ــ مسيئا أكثر، لأن تعالي الأصوات أرشد القائمين على الأمر إلى فظاعة المشكل ورد بعض الاعتبار للبلد، ولو سكت الجميع لنجا المجرم ، ولاحتفظ التاريخ للمغرب بسبة تبخيس عرض أبنائه وتمريغه في التراب.

         لست في حاجة إلى تذكيركم بما تعلمون من أمر مناقشة الصحابة رضوان الله عليهم للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في مجموعة من القضايا والأمور، كما هو الشأن في صلح الحديبية الذي رفضه الكثير منهم، ومع ذلك لم يثر في وجوههم ولم يرمهم بالكفر والعصيان، بل عالج القضية بروية وحكمة حتى أقنعهم، وهي الطريقة نفسها التي اتبعها سلام الله عليه في إرضاء الأنصار بخصوص الغنائم التي وزعها على المؤلفة قلوبهم، بل إنه كان يعمد إلى تشجيع الفكر النقدي وإبداء الرأي، فقد قال لمن سلموا برأيه في مسألة تشذيب النخيل الذي لم يأت بالنتيجة المرجوة:"أنتم أعلم بشؤون دنياكم"، وهي السنة نفسها التي سار عليها الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم، حتى إن عمر بن الخطاب خطأ نفسه أمام امرأة ناقشته في مقدار المهر، وانحنى إجلالا لمن أوقفه من على المنبر مستفسرا عن سر استئثاره بثوبين مقابل ثوب واحد للناس جميعا، فوضح الأمر عن طريق ابنه عبدالله رضي الله عنه الذي كشف  تنازله  عن ثوبه لأبيه لأن ثوبا واحدا لم يكن ليكفيه بسبب طول قامته، وبما أن عمر لم يكن من النوع الذي يهفو إلى تصيد أخطاء الناس، فإنه لم يتخذ من الحادث مناسبة مواتية لاستعراض عضلات العفة ومعاقبة من سولت له نفسه التشكيك فيها بحبسه وضربه، بل أعلى من قيمة المتدخل نظرا لحصافته وبعده النظري المتمثل في تشجيع الناس على إبداء الرأي وقول الحق مهما كانت قسوته، لأنه سبيل استمرار الحكم، فقال مشجعا على هكذا مبادرة:"لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها".

         سيدي يقال:"إذا قيل لك كل شيء يسير على ما يرام فاعلم أنك تسمع لأحمق أو كذاب"، وأنت لا تكتفي بأن تكون من أصحاب "كل شيء على ما يرام" فحسب، بل تريد أن تنقض على كل من سولت له نفسك الخروج عن هذا المنطق، وترميه بسهم معاداة الملكية لتسوق نفسك كعدو عدو الملكية، وتحظى من ثمة ــ حسب تخميناتك ــ بميزة صديقها وفق منطق حفار قبور الأحياء، وهذه لعبة قذرة لا يليق بمن في موقعك أن يمارسها، وأذكرك إن  نسيت أنك كنت في وقت من الأوقات عدو الملوك والحكام قاطبة، وحين رمتك عداوتك هذه في غياهب السجون ناصرك الكثير ممن تكيد لهم اليوم، ليس إيمانا بما كنت تدعو إليه، ولكن دفاعا عن الإنسان فيك، ولو فكروا بمنطقك هذا لتراجعوا إلى الوراء واكتفوا بالتفرج حتى لا يؤاخذوا بجريرة مصادقة عدو الملكية، ويحشروا من ثمة ضمن أعدائها، أو لسارعوا إلى صب الزيت على نار قضيتك لينالوا شرف معاداة عدو الحكام والملوك.

         سيدي لا أحد يزايد على الملك، وأظن ألا مصلحة لأحد في ذلك، أنت تعي هذا جيدا، أعتقد أن أمرك وراءه لهاثك  في السعي إلى مجد ضائع منيت به النفس من خلال خطب ملتهبة اتخذت من منابرها منصة لإطلاق الصواريخ، فخلقت لك أتباعا عبر كل التراب الوطني وجعلتك تحلم بقيادتهم كزعيم دولة شيدتها في خيالك، لتستفيق وإياهم من السبات العميق على وقع صوت أقفال الزنازن التي عرفت كيف تنتشل نفسك منها، تاركا الكثير ممن اتخذوك حواريهم هناك، لتبدأ الرحلة في الاتجاه المعاكس من خلال البحث عن موطئ قدم في خارطة المملكة السعيدة عن طريق السلم، بعدما فشل أسلوب الإغارة فشلا ذريعا، وهذا شأنك، لكن ليس بشيطنة الآخرين والزج بهم في خندق تهم ما أنزل الله بها من سلطان.

         لقد أخطأت خطأ فادحا في منهجك القديم الذي تخليت عنه في خطوة تحسب لك، مع أنك أوقعت به مئات الضحايا مازالوا يقبعون خلف القضبان، وهذا كاف ليشعرك بالذنب ويجعلك تكف عن توريط آخرين بالمخالفة بعدما ورطت من سبقوا بالاتباع والموافقة.

 

         أخيرا أذكرك بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:" بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا"، وقوله كذلك: " ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البديء "، وكم تمنيت أن تحافظ على توازنك العصبي وألا تحيد عن منهج الإسلام في الجدال بالتي هي أحسن بعيدا عن التخوين وعن عبارات العهر الساقطة، واعلم أنك خرجت من تطرف إلى تطرف آخر، وكان الأولى بك أن تأخذ بالاعتدال والوسطية وأن تبتعد عن التنطع الذي لن يجلب لبلدنا الحبيب إلا مزيدا من الاحتقان والتوتر والشحن، وهو ما نحن في غنى تام عنه.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة