اسماعيل الحلوتي
بتقبله لتلك الانتقادات النابعة من عمق المجتمع، وتفاعله مع ذلك الموج الهادر من الاحتجاجات، التي عمت أرجاء الوطن بفعل ما رآه المواطنون استفزازا لمشاعرهم ومسا بكرامتهم،وبعد اطلاعه على ملابسات قضية الوحش الآدمي المسمى: دانيال كالفان فينا، الإسباني الجنسية، والمدان بثلاثين سنة حبسا نافذا، لاستباحته عرض 11 طفلا من الأبرياء القاصرين في عمر الزهور،قضى منها ما يقارب عامين من الاعتقال،لم يتردد صاحب الجلالة في الإقدام على سحب عفوه، الذي أريقت بسبب صدوره الخاطئ، دماء نخبة من فعاليات المجتمع المدني، خرجت خصيصا للتنديد بشكل سلمي وحضاري، بهذا التجاوز الخطير وما يمكن أن ينجم عنه من انعكاسات قد ترهنمستقبل البلاد في المزيد من الاختلالات، ليعلنعن استعداده الكامل للانخراط في التحول المجتمعي والسياسي المشهود،وليعطي بذلك درسا قاسيا لمن يسعى إلى زعزعة أمن واستقرار البلادأو يشكك في تلاحم العرش بالشعب...
وبناء على هذا السحب الجريءوما تلاه من صدور مذكرة بحث دولية عن النيابة العامة، لاقت اهتماما بالغا من لدن السلطات الإسبانية، التي سارعت إلى اعتقال المجرم يوم: 05 غشت 2013 وإيداعه السجن، معلنة بذلك عن حسن تفهمها وللإعراب عن عمق العلاقات ومتانتها، وبغض النظر عن الخيارات الممكنة لإتمام العقوبة، التي لاشك أنها ستخضع لما تنص عليه القوانين الدولية والاتفاقية المبرمة بين البلدين في هذا المضمار، وبناء على ما لحق ذلك من تداعيات تأتيعلى رأسها، الإقالة الفورية للمندوب الساميلإدارة السجون وإعادة الإدماج السيد: عبد الحفيظ بنهاشم، الذي كان من المفروض أن يستفيد من منصبه المالي أحد الشباب المعطلين منذ أكثر من عقد ونصف، بينما ينتظر تحديد شكل باقي "العفاريت" من خلال البحث الدقيق والمعمق الذي أمر بفتحه صاحب الجلالة، فضلا عما ستعرفه منظومة العفو من تعديلات ستساهم لا محالة في تحيينهاوتقنين مساطرها وشروط الاستفادة منها، لتفادي ما من شأنه إلحاق الضرر بالآخرين، فقد شاءت الإرادة الملكية إلا أن تبادر إلى طي هذا الملف المؤرقباستقبال أسر الأطفال الضحايا قصد مؤازرتها في محنتها، والاعتذار من خلالها إلى الشعب المغربي كافة، في محاولة صادقة لجبر الضرر وتضميد الجراح وتهدئة النفوس...
ولئن استبشر المواطنون خيرا بهذا التجاوب الرائع للملك، الذي انحاز إلى صوت الشعب وهو يتراجع بكل الشجاعة الممكنة عن أحد قراراته، حين وجده مجحفا ويسيء إلى سمعته باعتباره أعلى سلطة في البلاد وإلى شعبه الشهم، فإن هذا لا يمنع من محاسبة كل من ثبت في حقه استغلال ثقته، والمتاجرة بأحد حقوقه الدستورية، أو تطوعلفك عقال ذلك "العفريت"، المتسللة يده خلسة إلى قائمة المقترحين للاستفادة من العفو وأضاف بوقاحة اسم الوحش "كالفان"، ومن هيأ السبل ل"عفريت" ثانوجعله يوسوس في آذان رجال الأمن لمسابقة المتظاهرين السلميين في احتلال ميادين اللقاء، ويأمرهم بتشغيل آلة القمع واستعمال القوة المفرطة ضدهم بلا أدنى شفقة، بدل مشاطرتهم شعور الازدراء الذي هز ضمائرهم، هل تم استيراد هؤلاء القاسية أفئدتهم من إحدى الغابات المتوحشة؟ ألا ينحدرون من أصول مغربية عريقة، ضاربة جذورها في عمق الكبرياء؟ أليس لأطفالنا علينا حق حمايتهم وتأمين سلامتهم من الوحوش الضاريةوالضالة؟ فما الذي يتبقى للمغربي عندما يرى كرامته تمرغ في الوحل؟ ففي خضم كل هذه الأحداث الأليمة المتسارعة والمتلاحقة، أبت حكومة السيد ابن كيران المغلوب على أمرها، إلا التزام الصمت المطبق وكأن على رؤوس ما تبقى من أعضائها طير أبابيل، أين "زرازير"الحزب الحاكم التي كانت تملأ الدنيا جبنا مدعية إقلاق راحة الفاسدين؟وأي فساد أكثر من هذا الذي لولا انبراء الملك له لتحول المغرب إلى مسرح جديد للاقتتال والدمار لا قدر الله ؟ أين أولئك "الزعماء" من الشعبويين الذين دمروا بذور العزة والكرامة في حقول هيئاتهم السياسية ومؤسساتهم النقابية؟ أينالشعور النقي بالمواطنة الحقة؟ أين وسائل الإعلام العمومي الذي ظلت تفاهاتهتمطرق رؤوسنا طيلة شهر الصيام ولا نعلم ما يخفيه لنا من "حموضة" بعده؟ أين السيد: سعد الدين العثمانيوزير الخارجية من كل هذا الزخم من التعاليق في الإعلام الغربي،وما يسوقه من بشاعة غير لائقةبوجه بلدنا؟ يا للهول !أصابت بقية "العفاريت" القوم بالخرس، زاغت الأبصار وتعطلت البصائر، وإذا كان السيد مصطفى الخلفي وزير الاتصال والإعلام والناطق الرسمي باسم "الحكومة"، جريا على عادته في انتقاءأساليب التضليلكلما حاول التملص من المسؤوليات، قداعتبر في أكثر من مناسبة أن الموضوع الذي زلزل الأرض من تحت أقدامنا، شأن خاص بالقصر الملكي، ولا يمكنه الخوض فيه لاعتبارات عدة، فإن أخاه في الله وفي حزب المصباح وزميله في الحكومة المتأسلمةالسيد: مصطفى الرميد وزير العدل والحريات، الذي اشتهر بصراخه إبان تواجد حزبهبالمعارضة، في "المرافعة" عن قضايا لا ترقى إلى مستوى فضيحة الوحش "كالفان"، لم يكن أقل دهاء عندما حاول تبرئة ذمته ووزارته،متذرعابأن المسألة تهم المصالح الاستراتيجية لبلدين وبين عاهلين (المغربي ونظيره الإسباني) ولا داعي لإقحامه فيها، في الوقت الذي اكتفى فيه وزير الداخلية السيد: امحند العنصر، بالتصريح بجهله المطلق لطبيعة "العفاريت" التي أمرت سلطاته الأمنية بشج الرؤوس، هدم الأفواه وتكسير الضلوع والأطراف...ولنا أيضا أن نتساءل أين اختفى السيد رئيس الحكومة في ظل هذه الأزمة العاصفة ؟ إنه مهما يتخذ لنفسه من مسوغات يحاول بها درء جسامة المسؤولية، فإن التقصير سيظل لصيقا به كثاني سلطة في البلاد، يخولها دستور2011العالقة مقتضياته في الرفوف دونما تفعيل، تقديم توضيحات شاملة للرأي العام المغربي بشأن القضايا الطارئة وكلما دعت الضرورة إلى ذلك. أليس هو نفس الشخص الذي خرج علينا يوما في ثلاث قنوات تلفزيونية لشرح دوافع إقدام حكومته على رفع أسعار المحروقات؟
فضيحة الوحش "كالفان"، بقدرما كانت موجعة، فإنها أسقطت الكثير من أوراق التوت،وكشفت عن تلك الدمى المنتفخة التي لا تتحرك إلا بواسطة خيوط من خلف الستائر، كما أبانت على ألا حاجة لنا بمن يستمدون مشروعيتهم من الغوغائية والخطب الشعبوية، بعدما بدا جليا أنالوطن يمشي بوتيرتين غير متكافئتين، وأنخروجه من هذه المعضلة التي تعطل مسيرته التنموية، يستدعيدهن مفاصله الرئيسيةوشحن شرايينه الحيوية بالأطر المقتدرة، من أصحاب المبادئ الراسخة ذوي المرجعيات النضالية الملتزمة والأفكار القيمة ، سيما وأن شعبنا العظيم الذي جعل من المغرب مهد الحضارات منذ زمن بعيد، مازال قادرا على العطاء كما الاستبسال والتضحية... ولا غرو أنيخرج اليوم لقول كلمته بجرأة نادرة، رافضا الانصياع للذل، مفصحا عننباهته ويقظته،ومتصديالمن يحاول تدجينهوالعبث بمستقبل أجياله الصاعدة، فهل يستخلص "ساستنا" العبرة من الحدث المريع ويستوعبون الدرس لمراجعة أوراقهم؟ وإلى ذلك الحين، على كل ذي بصيرة وحس وطني سليم أن يدرك بوضوح أن الذي أسس لظهور "حركة 20 فبراير" العتيدة سنة: 2011، وأخرج فعاليات المجتمع المدني غير الخاضعة للتنظيمات السياسية والهيآت النقابية والجمعيات الورقيةيوم: 02 غشت 2013، بإمكانه أن يعيد لهؤلاء الأبطال من الشباب وغيرهم وهجهم، للحصول على المزيد من الديمقراطية في تدبير الشأن العام، ومهما كلفتهم فاتورة التغيير المنشود من ثمن باهظ، بلا أدنى تبجح بالشارع كما يفعل البعض ممن لا يجس سوى نبض "حوارييه" الذين باتوا في تناقص مضطرد...
