صالح الخزاعي
قبل سنوات، كانت العائلات المغربية عامة والفوسفاطية خاصة تستبشر خيرا كلما اقترب فصل الصيف أو شهر رمضان أو أطل في الأفق رأس السنة الميلادية أو دنا موعد عيد الأضحى، لا لشيء سوى أن واحدا من أفراد العائلة سيعود إلى أرض الوطن في زيارة تفقدية لحال البلاد والعباد من جهة وقضاء مصالحه الخاصة من جهة أخرى.
فرح الوطن والمواطنين ارتبط أساسا بالنقلة النوعية التي يعرفها الاقتصاد، حيث تكثر الأعراس والولائم، وترمم المباني والمساكن، وتشيد العمارات والإقامات، وتتعدد السفريات والمخيمات، وتنتعش التجارة بكل أنواعها، فترتفع بذلك مداخيل الخزينة العامة للدولة والخزينة الخاصة للتجار والمهنيين والخزينة الخاصة جدا للشرطة والدرك والجمارك.
زيارة المهاجر إلى بلده شكلت لعقود خلت فرصة ثمينة للوطن من أجل الاستفادة من خيرات شريحة واسعة من أبنائه الذين هجروه كرها وعادوا إليه طوعا وحبا، محملين بعملة صعبة وسلع سهلة المنال من دول أوربية أكرمتهم يوم تنكر لهم الأهل، وآوتهم يوم تخلى عنهم الوطن، والتفتت إليهم يوم ركبوا قوارب الموت فدفنت جثت المجهولين منهم وأرسلت الجثت المتبقية من مجموع الغرقى ثم سجنت بعض الموقوفين وأكرمت البقية.
معاناة فئة كبيرة من المهاجرين في بلاد الغربة تنوعت وتعددت حتى صعب تصنيفها وتحليلها، فمن مشكل اللغة والاندماج إلى مشكل السكن والعمل مرورا بإشكالية الحصول على تأشيرة الإقامة القانونية أو "الأوراق" التي تعتبر حبل نجاة المهاجر من كابوس إعادته إلى بلده في أية لحظة وبالتالي فقدانه الأمل في مستقبل زاهر غامر بحياته من أجل بناء أولى لبناته.
الفئة القليلة التي استطاعت الهجرة قانونيا للعمل أو الدراسة لا تحتاج إلى أسطر بقدر ما تحتاج إلى إطلالة تفقدية في واقعها الخاص، وحديثنا اليوم حول الشريحة الكبيرة التي اتخذت قاربا صغيرا وسيلة لتحقيق حلم كبير قد يتحقق وقد يتبخر مع أول اصطدام بين قارب ضعيف وموجة قوية تقلب الواقع المأساوي إلى ما هو أسوء منه.
دون الخوض أكثر في الماضي، ومواصلة النبش في تفاصيل المعاناة، نوجه عدسة الكاميرا إلى واقع المهاجر اليوم، واليوم يعني مرحلة ما بعد الأزمة التي عصفت باقتصاد الدول الكبرى فما بالك بدول العالم الخامس أو السادس واقعا والثالث رسميا، مرحلة تراجعت فيها شعارات الاستقبال الحار (مرحبا بكم في بلادكم) لتحل محلها (جاو مساكن)، مرحلة قلبت المعادلة التي كانت تساوي بين المهاجرين والتنمية فصارت تساوي بين عودتهم وتعميق جراح الوطن فربطت بينهم وبين ارتفاع الإجرام والسرقة و...و... دون توضيح أو تعليل.
اليوم الوطني للمهاجر كان فيما مضى مناسبة لتوطيد العلاقة بين المهاجرين وبلدهم، وفرصة للمسؤولين للوقوف على انتظاراتهم وطموحاتهم وبالتالي تهييء بنية تحتية ومؤسساتية مساعدة على استثمار أموال المهاجرين بما ينفع الجميع، لكن واقع الحال يؤكد أنهم أصبحوا في حاجة ماسة إلى التفاتة إنسانية من طرف كل من تسلم منهم في يوم من الأيام فلسا واحدا أو هدية عائلية أو رشوة مصلحية...
عرف الاحتفال باليوم الوطني للمهاجر هذه السنة حضور عدد محدود من العائدين إلى أرض الوطن سواء بصفة نهائية أو في إطار زيارة صيفية، فالأروقة التي نصبت من أجل مساعدة المهاجرين على إنجاح مشاريعهم لم تحقق هدفها، وما تم إحضاره من كتب ومطبوعات وملصقات لم تبرح مكانها، وما تم إعداده من توضيحات ومخططات لم يعرها الحاضرون اهتماما، فالمهاجرون لم يعودوا في حاجة إلى دروس الوطنية وحب الخير للبلاد فهم سباقون إلى ذلك، العائدون اليوم في حاجة إلى من يشغلهم ويهتم بهم لأن زمن البذل والعطاء للوطن ولى، وزمن الأخذ والاستفادة من خيرات البلاد فرض نفسه على المهاجرين وغيرهم.
المهاجرون لم يحضروا الاحتفال من أجل دغدغة مشاعرهم بالتسويف، ولم يعودوا قادرين على الانتظار أكثر حتى تتضح رؤية المسؤولين لمعرفة وضعية البلاد وتشخيص حالتها وتحليل واقعها، ولم يشاركوا في الاحتفال من أجل إنجاح اليوم الوطني عددا وعدة وتصويره، ولم يقفوا أمام عدسات المصورين من أجل التباهي على غيرهم بتمكنهم من أخذ صور مع مسؤولين ترابيين، وإنما حملوا في صدورهم أكثر مما حملته ملفاتهم من أجل إيصالها إلى من هم في موقع المسؤولية وأصحاب القرار لعلهم يجدون آذانا صاغية وقلوبا رحيمة وإجراءات قانونية بسيطة بقدر بساطة مشاريعهم التي تعتبر في نظر أصحابها آخر ورقة يلعبونها قبل إعلان حالة الطوارئ المادية والمعنوية.
قلة قليلة من المهاجرين ادخروا الأورو الأبيض لليوم الأسود، فاستطاعوا بذلك فتح مطاعم ومحلات تجارية في وطنهم ليعولوا بها أطفالهم، في حين تبقى الغالبية تعاني في صمت مستغربة من تنكر الوطن مرة أخرى لأبنائه، ومستغرقة في البحث عن جواب للسؤال: إلى أي اتجاه سندير بوصلة قوارب الموت هذه المرة؟
