يوسف الإدريسي
نفذت قوى الظلم والعدوان مجزرة تاريخية في حق أبناء مصر الأحرار بعد أن سقط أكثر من 50 قتيلا على الأقل بميداني رابعة العدوية والنهضة في هجوم قوات الأمن على المعتصمين وصفه محمد البلتاجي القيادي البارز في جماعة الإخوان ب "حرب جيوش"، مناشدا بذلك ما أسماهم بشرفاء العالم للتدخل لوقف هذه الكارثة الإنسانية داعيا في نفس الوقت المعتصمين إلى الصمود والثبات لنصر قضيتهم المصيرية.
صمود يفسره الرجوع والغوص في مبادئ المدرسة الإحيائية للشيخ حسن البنا والمدرسة التأصيلية للشهيد سيد قطب، للوقوف على منجزات هذه المدرسة الجامعة حيث عملت على إحياء وتأصيل مفهوم الجهاد الإسلامي بما هو جهاد بناء و تعبئة و وقوف في وجه الظلم و الظالمين. ولعلّ رسالة الجهاد للإمام حسن البنا توضح بجلاء الرؤية التربوية والتنظيمية الجهادية التي تنبثق من الدستور الإلهي والمنهج النبوي، حيث جاء فيها "فرض الله الجهاد على المسلمين لا أداة للعدوان ولا وسيلة للمطامع الشخصية، ولكن حماية للدعوة وضمانا للسلم، و أداة للرسالة الكبرى التي حمل عبئها المسلمون، رسالة هداية للناس إلى الحق والعدل."
لم يكتف الإمام بالتنظير فحسب بل تعدّاه إلى الإجرائية و المواكبة الميدانية من خلال محطات جهادية مشرّفة سطّرها التاريخ بمداد من نور، فتجلّت في معركة كفار ديروم و رامات الرحيل والعسلوج وموقعة "التل الكبير" ضد المستعمر الإنجليزي، دون أن ننسى صموده ضد النظام الناصري المجرم.
فهذه الومضات من هذا التاريخ الجهادي المشرق كفيلة بأن تحلّ لغز صمود أحفاد الشيخ المربي حسن البنا واعتدالهم وعدم انجرارهم إلى العنف بالرغم من أن هناك جهات تراهن من خلال هذه الأحداث على انكسارهم ودفعهم باتجاه التطرف والمواجهة العنيفة. ولعلّ إصرار الرئيس مرسي على أقواله و مواقفه وعدم التضعضع للجيش و تقديمه حياته فداء لصوت الحق والعدل دليل آخر على أصالة المدرسة وقوتها أمام العدوان الداخلي منه والخارجي، حيث ما فتئت تُخرّج جبالا ونماذج في الصبر والصمود قُتلوا وأعدموا ظلما داخل السجون المصرية من طرف عبد الناصر و السادات.
وهاهي الأقدار تعيد التاريخ من جديد في حكمة إلهية لابتلاء احتساب وصبر الرجال، حيث ضريبة الثبات على المواقف وعدم الاستسلام والخنوع بلغت لحد كتابة هذه الأسطر أكثر من 300 شهيد و10 آلاف جريح . فلكم الله أيها الجبال، فاثبتوا على المحجة اللاحبة و رحم الله شهداء العزة. (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ).
