مصطفى أبو نور
إن أي قراءة تحليلية لما يجري في مصر اليوم، لاتنفك عن الضحالة و السطحية، ما لم تلتزم بربط الأسباب بمسبباتها؛ وذلك بوضـع ما يتلاحق من أحداث يومية على أرض الكنانة ضمن سياقاتها التاريخية، بمعنى أن تفتتح قراءة الكتاب من مقدمته بدل أن تكتفي بقراءة الصفحة الأخيرة؛ فالحديث مثلا عن أن جل عناصر القوات المشاركة في جرائم القتل المدانة في ميداني رابعة العدوية و النهضة هم من الأقباط؛ بما يوحي بوجود حرب دينية، إنه لعمري قراءة موغلة في العمى والضلال والشرود. وهو تحليل منطقه أشبه بمنطق تحليل حادث سقوط طائرة عابر منه إلى منطق تحليل محطة من تاريخ الأمة .. حتى الذين لا يذهبون أبعد من مناقشة إصدار "السيسي" أوامر لقواته بقتل المتظاهرين المطالبين بالشرعية يسقطون في قراءة قاصرة .. القضية في تقديري أعمق بكثير من السيسي الذي يصدق فيه قول الشاعر الحكيم محمد إقبال :
يا لعـبةًً من دمـقـراطيـة طلبـت *** عرش الملوك بما أبدته من ورع
كانت حكاية فصل الدين آخرَها *** إن السياسة جنكيزية الجشع
القضية قضية أيديولوجية بامتياز !! إنها قضية النخب التي استُلِبت وتغربت في ايديولوجيات عفا عنها الزمن، وكيف أنها تستطيع تجييش الشارع المصري وراء شعارات لا تنتهي به إلا في أتون الاحتراب. إنها قضية الهزيمة النفسية التي رانت وتراكمت في الشعور الجمعي للأمة، نتيجة توالي الهزائم العسكرية التي منيت بها هذه الأخيرة على يد القوى الامبريالية الغربية التي جزأت جسمها - جسم الأمة - إلى أقطار تفرّقها حدود جيوسياسية مصطنعة وغدا لكل قطر عَلمه الخاص و نشيده القومي و عملته الوطنية وهويته الجمعية الخاصة ... فأضحى الوطن، الذي كان يسع الأمة الاسلامية قاطبة أوطاناً شراذمَ دارت بينها حروب طاحنة ( حربا الخليج نموذجاً )، عبر اتفاقية سايس ـ بيكو ( 1916م ) المشؤومة وأخواتها، والتي لم تبلقن جغرافيا الأمة فحسب، بل سرطنت العقل الجمعي للمسلمين بحركة استنباتية أعادت تشكيله عن طريق توطين الفكر الغربي الحديث فيه بكل أجناسه العلمية و الأدبية و المجتمعية و الفلسفية .. مخرّبة بنيته الحضارية و مفرّخة إياه إلى عقول متصارعة فيما بينها مستعيضة عن رمز وحدتها و قوتها؛ ألا وهو الدين، بالايديولوجيا التي تم الترويج لأوهامها على أنها حقائق ومسلَّمات ! ومن أخطر تبعات هذه الهزيمة النفسية التي عششت في لاوعي المسلمين أنها ولّدت لديهم قابلية شديدة للتجييش العاطفي دونما دراسة تمحيصية مسبقة للحال والمآل، قابلية وصفها العلامة الجزائري البشير الإبراهيمي رحمة الله عليه ب" استعداد فينا كاستعداد المريض للموت، وشعور بالنقص في أنفسنا ... وموت النخوة تصحبه سرعة التقليد، وعادة الخضوع للغالب وسرعة التحلل والذوبان. "
إذ يحار العاقل اللبيب في أسئلة من قبيل : كيف نجح شخص مثل البرادعي، وولاؤه لأعداء الأمة لا يخفى على ذي بصر بله بصيرة، في اكتساب "كاريزما" في الشارع المصري الذي ثار على الدكتاتورية و التبعية للغرب ؟!! وتحريك فئات من الشعب المصري و تأليبه إياهم على رئيسهم المنتخَب ؟!! ..
وهذه القابلية العاطفية المرضية ليست حكرا على مصر، بل وُبِأت بها جموع الأمة ، شبابها خاصة، وما يحدث اليوم في مصر ليس حالة مصرية، كما قد يتوهم البعض، إنما هي فاتورة من فواتير اتفاقيات بلقنة الأمة التي أشرنا إليها، يؤديها اليوم الدم المصري كما أداها ويؤديها الدم الفلسطيني و الدم السوري و الدم العراقي وهلم جرا ..
وختاماً، لا خلاص لأرض الكنانة ، بل للمسلمين جميعا؛ إلا بتحرر عقولهم من سطوة الأيديولجيا الفتاكة، فإذا كان ماركس يعتبر الدين أفيوناً للشعوب، فإني لست أرى لها أفيونا غير الأيديولجيا، التي آن أن نعلن موتها، و كان حرياً بشباب الربيع "العربي" أن يسقطها من أذهانهم قبل أن يفكروا في إسقاط أنظمتهم الاستبدادية، وأن يثوروا على عقولهم المخترَقة قبل أن يبادروا إلى الثورة التي لم يحسبوا مآلاتها خير حساب، حفاظاً على وحدة صفهم و أمنهم و أرواحهم و حفاظاً على ثورتهم من الانحراف نحو منزلقات مهلكة. والحركات الاسلامية بدورها مطالبة بهذا التحرر، لسقوطها في"أدلجة" الدين، وهذا في تقديري، يزكي لهيب الخلاف والصراع بين أبناء الوطن الواحد.
وهذا موضوع آخر لا يتسع مجال بسطه ههنا، قد نفرد له مقالاً آخر في قادم الأيام بحوله تعالى.
