أحمد الإدريسي
هناك وصفة محددة لعملية الإصلاح . فهي كالمسافة الفاصلة بين نقطتي الإنطلاق والوصول،لا تصلح للإقامة بقدر ما هي طريق للسير، لكن إصرار حكومة بنكيران على الاستغراق في الإصلاح لما يقارب السنتين .. وبدون جدوى ، معناه أن الطريق التي حددتها الحكومة -أو بالأحرى حددت لها مسبقا - لسيرقدما نحو الإصلاح لا تزال غيرمعبدة لما يعتريها من فساد يصعب إماطته.
بل يرغم الحكومة الرجوع في كل مرّة خطوة الى الوراء لهدرما تبقى لها من طاقة ووقت فتظل تراوح في عملها بين وصفات معظمها غير قابل للصرف. ومحاولات إصلاح تتشعب حول نفسها بشكل دائري لأنها تتعامل فقط مع نتائج الفساد وفروعه وليس مع أسبابه وجذوره . وهذا ما يفسّر تكرار الأخطاء والفشل .
ولواستطاعت الحكومة منذ التشكيل أن تعمل بشكل طبيعي وليس بانتقائية الملفات لكان المشهد الإصلاحي الآن مختلفاً تماماً، لكن الانصراف إلى نظريات التماسيح والعفاريت ورمي الحمولة كلها على مشاجب مخلوقات غير محددة أو مرئية حرم الحكومة من النقد الموضوعي. وقد سبق لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبّه إلى ذلك بقوله : " يا أيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " ، لكن العزوف عن القراءة حال دون الإفادة مما قال عليه الصلاة والسلام . لهذا نلاحظ أن هناك هاجساً أشبه بقاسم مشترك بين جميع الحكومات السابقة والحالية وربما الاحقة إذا استمرالوضع على ما نحن عليه الآن ،هوهاجس تَبْرئَة الذات لإعفائها من عبء أية مسؤولية.
وهذا يفضي بالضرورة إلى تجريم وإدانة الآخر، الذي إن لم يكن ضعيفا فلا يُستطاع تحديده بشكل موضوعي يتم نعته بصفة ميتافيزيقية أو اختراعه من خارج الحدود . فالأخطاء دائماً ليست من حصّة الشريف الذي يخصص دون غيره بوهم المعصومية، بل هي من حصة الآخر الضعيف ، لهذا كل ما يوضع من ملفات أمام القضاء قصد التحقيق هي نزاعات أهلية تخص فئة الضعفاء من قبيل السب والقذف وتبادل الضرب والجرح المفضي الى القتل في بعض الأحيان ، أو سرقة زينة بيض وكلها ملفات يصعب فك الإشتباك فيها بين الجرم وأسبابه والصواب والخطأ والحقيقة والزيف .
بل حتى الإمضاء على حكم قضائي يخص فردا من فئة الشرفاء في حالاته الشاذة يعد عملا لا جدوى منه ، كون الإمضاء يتم بقلم علقت ممحاة بطرفه لتجب ما يصدر من حكم ، فهو شبيه بموج البحر ما أن يقترب من الشاطئ حتى يتكسرو يعود من حيث أتى
