صالح الخزاعي
أحيانا كثيرة أفتح نقاشات مع شيوخ من جيل الستينات والخميسات لنتجاذب أطراف الحديث حول زماننا كما يحلو للشيوخ أن يسموه رغم أنهم يعيشونه بدورهم، إلا أنهم ينسبوه إلينا باعتبارنا متحكمين في زمام أمور الواقع، وهم مجرد ضيوف قضوا ما تيسر من حياتهم بخيرها وشرها، وينتظرون ساعة الرحيل بشغف كبير لعلهم يحضون براحة الضمير مما يعيشونه من تهميش وإقصاء قبل راحة البدن وما يعرفه من مرض ووهن وضعف.
النقاش الذي أفتحه معهم لا يميل إلى تحليل الأمور السياسية بين الأمس واليوم - إلا نادرا-، وإنما يركز على الجانب الاجتماعي الذي تهتم به هذه الفئة العمرية، وتركز عليه أكثر من اهتمامها بالماديات وما نتنافس على تحقيقه نحن معاشر الشباب، فقد أصبح همهم الوحيد هو التفاتة إنسانية تعيد لهم الاعتبار وتسلط الضوء على واقعهم، فأجد نفسي في غالب الأحيان متأثرا من كلامهم، مشفقا على حالهم، مندهشا من صبرهم،... ومتأملا في جهلنا وغبائنا.
شيوخ اليوم كانوا فيما مضى بُناة حضارة نعيش خيرها إلى يومنا هذا دون انتباه، وكانوا جُدرانا قوية منعت شرورا كثيرة عليهم وعلينا يوم كُنَّا في بطون أمهاتنا أَجِنَّةً أو بُوَيْضاتٍ. فضيوف اليوم المهمَّشين كانوا في السابق أصحاب الدار الكرماء، قدموا أرواحهم وأموالهم وأوقاتهم من أجل الوطن وأبناءه، قدموا تضحيات نعجز نحن معاشر الشباب عن تقديم عُشُرها، ومع ذلك لم يطلبوا مقابلا ولا جزاء ولا شكورا.
عندما أرى واقع العجائز والشيوخ اليوم أذرف الدم من عين قلبي، وأرى نفسي مثلهم وبينهم أو أسوء منهم بعد عشرات السنين إذا كان للعمر بقية، فلا أرى اهتماما بهم من طرف الأسرة، ولا أجد أثرا للدفء اللازم لهم من جهة العائلة، ولا ألمس التفاتة حقيقية لهم من المجتمع إلا من بعض الجمعيات المعدودة التي حملت على عاتقها عناء مساعدتهم ونتمنى أن يكون هدفها نبيل.
أجدادنا ليسوا في حاجة إلى رعاية تضمن لهم فقط لقمة عيش باردة في انتظار إلباسهم قماش الرحيل، وليسوا في حاجة فقط إلى زيارة مفاجئة من طرف الجمعيات يوم العيد بمؤسسات الرعاية الاجتماعية وبعد الزيارة نغلق عليهم باب الغرفة ونافذة الاهتمام، وليسوا في حاجة فقط إلى حملات تحسيسية لتسليط ضوء خافت على واقعهم، وإنما هم في حاجة إلى أكثر من ذلك بكثير.
قليل من الشيوخ وجدوا أبناء صالحين وميسورين وبَرَرَة سواء من أصلابهم أو من غير ذلك فعاشوا معهم شهورا وسنين يقطفون ثمار تربيتهم الصالحة، فحجوا البيت الحرام، ولبسوا ما تمنوا من الثياب، وأكلوا ما اشتهوا من الطعام، وزاروا ما أرادوا من البلدان، وتمتعوا أواخر أعمارهم حتى أتى أمر الله والتحقوا بمن سبقهم من جيلهم، لكن الأغلبية الساحقة أو المسحوقة إذا صح التعبير تعاني في صمت وفي جهر ولا حياة لمن ينادون، فبعض الشيوخ اتخذ من "الضامة" هواية يملأ بها فراغه، ومن القمار عملا يكسب به دريهمات من إخوانه في نفس المعاناة على قارعة شارع أو حديقة ما، وبعضهم اتخذ التسول مهنة يكسب بها قوت يومه فالتجأ إلى باب مسجد أو سوق وجلس ينتظر قلبا رحيما يعطف عليه بدرهم في أحسن الظروف، حتى إذا غربت الشمس اتخذ مقر عمله بيتا ومسكنا وغرفة نوم، ومرحاضا في بعض الأحيان إذا بلغ منه العجز درجات متقدمة، وبعضهم ممن كان حظهم أحسن من غيرهم ولجوا دار المسنين ليقضوا فيها ما تبقى من أعمارهم بجود المحسنين وحفاظات المساعدين الاجتماعيين وكرم وزارة سنخصص لها مقالا في فرصة لاحقة.
شيوخنا في حاجة ماسة وعاجلة إلى سياسة اجتماعية خاصة بهم وبمشاكلهم، وفي حاجة إلى قوانين صارمة تحفظ لهم حقوقهم وتعترف لهم بقيمتهم الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، فالشيخ ليس إبريقا نُحاسِيا نضعه فوق النار لِنَخْدُمَ به أنفسَنا ونَدْفَعَ به جوعنا لسنين طويلة حتى إذا خَفَتَ بَريقُهُ أو أُصيبَ بعُطْل واحتاج منا لإصلاح وترميم هَمَّشْنا دوره ووضعناه في مزبلة المتلاشيات أو رَفِّ التُّحف لنتباهى به أمام غيرنا باستعراض تاريخه وإنجازاته وماضيه المشرق.
إذا لم نستطع حل مشاكل هذه الفئة العمرية في زمننا هذا، وعجزنا عن إكرام ضيوفنا حق الكرم، فلا ننتظر من أبنائنا غير ما وجده منا آباؤنا وأجدادنا، ولنبحث لنا منذ اللحظة عن سلة مهملات مناسبة نَضَعُ فيها أَنْفُسَنَا قبلَ أن تَضَعنا فيها أجيالُ الغذ، لأنها ستكون أشد قسوة منا على الضعيف وأكثر منا حبا للدنيا وملذاتها، وأكثر منا بخلا، وأقل منا اهتماما بإكرام الضيف، وهذا ما نعترف به دائما بقولنا "كَمَا تَدِينُ تُدَان" وما نردده كمثل شعبي " اَلْحَنْشْ مَاكَيَوْلَدْ غِي طْوَلْ مَنِّو ".
