اسماعيل الحلوتي
كم يأتي وقع الصدمة قويا وموجعا،على مواطن يؤمن حتى النخاع بالنزاهةوالشفافية، وديمقراطية الصناديق الزجاجية، ويعي جيدا قيمة الإدلاء بصوته في الانتخابات، ثم لا يلبثأن يشعر بالخذلان وهو يتابع انحراف النخبة التي أفرزتها استحقاقات ما لتولي تدبير شأن بلاده العام، عندما يجدها متلبسة بالإخلال بتطبيق برنامجها الحافل بالوعود والالتزامات، وهي تسيرعكس الاتجاه السليم،سالكةطريقالا يقود إلا صوبالمجهول المرعب والغريب...
الحكومة الثلاثون المتصدر ائتلافها حزب العدالة والتنمية، الذي يستحسن إعادة النظر في تسميته ليصبح أكثر انسجاما مع تجربته الفاشلة ك: حزب "العطالة والتعمية"، وحسب زعم رئيسها السيد: ابن كيران وصحبه، لم تصادف في سجل الحكومات السابقة هالة ضوء واحدة، تعتمدها كنقطة ارتكاز في شق طريقها نحو الأفضل،ولم تجد "المتعوسة"أمامها عدا ثقل المديونية والظلام البهيم يهيمن على كل القطاعات: تعليم، صحة، عدل، جماعات... والعهدة هنا على رواتها الذين لا يأتيهم الباطل من أمامهم ولا من خلفهم، ومع ذلك أصرالمنقذ المنتظر علىتجاوز الاختلالات وبسط سبل الإصلاح بدعوى امتلاكه الإرادة القوية والعزيمة الفولاذية، لقد قطع الرجل ذو "الأنا" المنتفخة وعدا على نفسه أمام عامة الشعب، بأنه سيعمل كل ما في وسعهلإخراج البلاد من عتمة المشاكل المتراكمة والمعضلات الكبرى، كيف لا وهو الذي منحه الدستور الجديد صلاحيات موسعة لم ينعم بها سابقوه؟وبالنظر إلى طبيعة المرحلة وفي تلك اللحظاتمن اليأس والإحباط، انبهر المواطن المقهور بنسائم ربيع الديمقراطية العربي وسقط في فخ الإغواء تحت جاذبية بريق المصباح، الذي لا شك أن الحزب خلافا لغيره من الأحزاب السياسية، يستحضر بقوة الجانب الأخلاقي في العمل السياسي مما قد يميز تعاطيه مع القضايا المطروحة، ولن يتزحزح قيد أنملة عن طريق الصلاح مهما كلفته معركة التغيير من استماتةوكفاح، فالتطهير وتخليق الحياة العامة هما بداية المشوار الشاق والطويل... هكذا قال حملة "المصباح السحري" ذات فترة انتشاء عارم وفرح غامر بتحمل مسؤولية لم يحلموا ببلوغها من قبل، ورددنا وراءهم بصوت جهوري يخترق الجبال: "آميــــــــــــــــــــــــــــــن"
وفي الوقت الذي انطلق العداد معلنا عن الشروع في ترجمة الشعارات إلى حقائق ملموسة، والانخراط السريع في مباشرة الأوراش المفتوحة وإحداث الانتقال الديمقراطي المنشود، وقف المواطنون يراقبون باهتمام شديد سير الحكومة، التي ظلوا يمنون النفس بأن تكون قوية ومنسجمة لرفع التحديات، يحدوهم الأمل الكبير فيأن تبادر إلى تفعيل مقتضيات الدستور وتمارس اختصاصاتها بجدارة واستحقاق،وأن تتصف بالجرأةوالشجاعة في فتح ملفات الفساد ونهب المال العاملاتخاذ القرارات الحاسمة، وتحرير المواطنين من أغلال الظلم وجبروت التسلط والقهر...اكتشفوا بمرارة أنهم ولسوء حظهم العاثر، راهنوا على حكومة خاسرة وغريبة، ولا مثيل لها في الغرابة حتى في دول افريقيا الغارقة في الجهل والمجاعة، وتكمن غرابتها في تمثلها لمشية الغراب وسرعة السلحفاة، انشغالها بالحروب الكلامية وصناعة الأزمات، وفي انفصالها شبه الكلي عن الواقع الاجتماعي والسياسي، حكومة جل وزرائها خارج التغطية "وما فروسهم ما يتعاود"، وحتى إذا ما وقعت الواقعة تجدهم يتسارعون دونما اتجاه بحثا عن الدواعي والملابسات، ولعل أبرز الأحداث القريبة التي تثبت بعضا من ذلك: قضية العفو الخطأ عن الوحش ذي الجنسية الإسبانية، مغتصب 11 طفلا بمدينة القنيطرة، وما نجم عنها من اعتداءات وحشية على المواطنين المحتجين، والتي حاول بعض الوزراء التملص من مسؤولياتهمالكاملة،يأتي على رأسهم كل من السيد: مصطفى الرميد وزير العدل والحكامة، والسيد: امحند العنصر وزير الداخلية، ثم هناك قضية الزيادة في سعر مادة الحليب التي بدا فيها عدم التنسيق صارخا بين كل من السيد: عزيز اخنوش وزير الفلاحة والصيد البحري، والسيد: محمد نجيب بوليف وزير الشؤون العامة والحكامة، فإبان اتفاق الأول مع مهنيي القطاع على تخصيص نسبة 60% من الزيادة المقررة، لمربي الماشية المتضررين من ارتفاع كلفة العلف في الأسواق الدولية، أصدر الثاني حسب نفس النشرة التلفزية بلاغا عن قرار تمبموجبه إحالة الملف، على خبراء مجلس المنافسة لتحديد مدى قانونية الزيادة، ناهيكم عن الخلط الذي يعتري أعضاءها في تحديد مفاهيم الأشياء،فالحكومة جاءت منذ البدايةتحمل في أحشائها أسباب التصدع والفشل الذريع، أمام ما وسم تشكيل ائتلافها من غياب واضح لمنطق التقارب الإيديولوجيوضرب لمبدأ المناصفة بتعيين وزيرة واحدة، حكومةتهدف هيكلتها بالأساس إلى ترضية الأشخاص دون خدمة الصالح العام وتحسين العيش الكريم للمواطن، حكومة لم يستطع رئيسها التخلص من قيود الأمانةالعامةلحزب "الإخوان"واستمر في التهديد بالنزول إلى الشارع وعدم التمييز بين ممارسة السلطة والمعارضة،فضلا عن أسلوب الغرور والاستعلاء لدى مناضليه الذين ما انفكوا يجارونه في خوض حملته الانتخابية غير المنتهية "الصلاحية"، مستعرضين عضلاتهم في كل خرجاتهم الإعلامية،لدرجة باتوا يعتقدون جازمين أن بلوغ كراسي السلطة يخولهم الحق في تسيير البلاد وفق ما تمليه عليهم أمزجتهم، وإلا ما كان زعيمهم ليخاطب معارضيه في إحدى نوبات غضبه العديدة والمتنوعة بالقول: "إلى بغيتونا نفشلو خليونا آسيدي نفشلو فخاطرنا، ومن بعد عاد حاسبونا..." دون أدنى مراعاة لانتظارات المواطنين الذين تحترق أعصابهم شوقا إلى تحسين أوضاعهم المزرية، تبخرت الوعود، سقطت الشعارات واستأسد الفساد والاستبداد، تصدعت الحكومة بانسحاب أكبر حلفائها حزب الاستقلال، حيث استقال كل وزرائه ما عدا وزير التربية الوطنية الذي اشتهر بإهاناته المتكررة للتلاميذوالمدرسين والمسؤولين على حد سواء، منح أصفارا كثيرة للعاملين، ألغى مشاريع هامة ومحا السبورة ليبدأ من جديد،لم ينج أحد من سلاطة لسانه وهو الذي تنكر لحزبه ورفض الانصياع إلى قراراته، فكيف لرئيس يحترم نفسه قبل القانون أن يحتفظ بوزير مطرود من حزبه الأصلي ضمن أعضاء حكومته؟ ألا ينشر مثل هذا التجاوز الكفر بالعمل السياسي والعزوف عن الانتخابات؟ لا تغيير حدثعدا في أشياء محدودة: تحولت الخطب الحماسية إلى نواح وتظلمات، والمقاصة إلى مقايسة، محاربة الرشوة إلى وصلات تلفزيونية، وزئيرالبدايات إلى نهيق، وصقور الحزب الحاكم إلى زرازير... انفضح الأمر واتضح جليا أن سيادة الرئيس لم يبدع سوى في إغناء القاموس السياسي بتلك الألفاظ المثيرة للجدل من قبيل: التماسيح، العفاريت، المشوشين، الفلول... وأن حكومته الغريبة لم تستطع الزيادة إلا في التوقيت الصيفي وأسعار المحروقات وما تلاها من ارتفاع في أثمان النقل والمواد الأساسية، في أعداد الراسبين والمفصولين من التلاميذ والطلبة، في أعداد العاطلين من ذوي الشهادات العليا وغيرهم، في عدد الولادات في الشوارع وأمام المستشفيات،وفي عدد الباعة المتجولين والمحتلين للملك العمومي، وفي عدد النازحين من القرى النائيةواللصوص والمجرمين...التخبط والارتباك هما ما ميزا أداء الحكومة في نسختها الأولى، وللمزيد من الكشف عن جوانب الغرابة، نجدهااختزلت برنامجها "الذهبي"في الحديث النبوي الشريف: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" ، فهي نوت التنازل عن كل التزاماتها ومبادئها للحفاظ على الكراسي والبقاء في السلطة. ألم يجمد السيد رئيس الحكومة الحوار الاجتماعي ويسارعإلى استئناف حكم المحكمة للحيلولة دون التوظيف المباشر لموقعي محضر 20يوليوز من المعطلين ذوي الشهادات العليا؟ ألم يعمل على إفراغ جلسة المساءلة الشهرية من محتواها الرقابي، ويحولها إلى خشبة للشغب والتهريج؟ ألم يعتبر مواقف معارضيه وانتقاداتهم لسياساته تشويشا على السير الطبيعي للحكومة وعرقلة لعملية الإصلاح؟ فليعد قليلا بذاكرته إلى ما وراء انتخابات 25نونبر 2011 التيأخرجت حزبه من المعارضة، حين كان مناضلوه يرغون ويزبدون... أليس هو من اعتمد السرية والمباغتة في خرق القانون عندما قرر تجميد 15 مليار درهم من الاستثمار العمومي؟ ومن غيره أثقل كاهل بلدنا بالمديونية الخارجية، ورهن مستقبل أجيالنا لدى المؤسسات المالية الدولية؟ ومن ذا الذي اعتبر الاقتطاع من أجور المضربين عن العمل أحد أهم صنائعه المتقنة، حين تفضل وزيره في "اللاعدل" بتشبيه علاقة الموظف بالدولة، كعلاقة الزبون ب" مول الحانوت": البضاعة مقابل دفع ثمنها؟ غرائب متنوعة يجري آخرها وليس أخيرها في الجولة السادسة من المفاوضات مع الحليف المرتقب لتعويض المنسحب السابق، ومن مكر الصدف ألايكون سوى مشتبه الأمس القريب،والمتهم بنهب المال العام دون موجب حق: زعيم التجمع الوطني للأحرار، السيد صلاح الدين مزوار...
نافلة القول، إن السيد: ابن كيران رئيس الحكومة، يدرك أكثر من غيره جسامة المسؤولية المنوطة به، ويعلم أن تولي إدارة الشؤون العامة للبلاد أمانة في عنقه، حيث وصفالله تعالى الصالحين من عباده الذين يولون الأمانات رعاية خاصة ويحسنون أداءها، بالفلاح والرشاد، ويخاطبهم بالقول: "والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون" سورة: المؤمنون آية 8، فلا يجوز بأي حال دينا وشرعا التفريط في صيانتها، لذلك فإن عدم الوفاء بالالتزامات والوعود، والتراجع عن المكتسبات، وإنهاك القدرة الشرائية للمواطنين بالرفع المستمرللأسعار، ومصادرة الحقوق النقابية، والإجهاز على حريات التعبير والاحتجاجات الاجتماعية المشروعة... تعد جميعها إخلالا بشروط التعاقد وبواجب الحفاظ على سلامة الأمانة. هل يعيد سيادته النظر في الوضع القائم، ويكون في مستوى تحمل عبء المسؤوليات، وصارما في أداء مهامه بتجرد وموضوعية؟ هل يبادر إلى حلول استراتيجية، تساعد في الحد من الفساد الإداري والمالي وتعمل على جلب الاستثمار وتشجيع السياحة؟ هل يجعل الملف الاجتماعي والنهوض بأحوال المواطنين في صلب السياسة العمومية في القادم من الأيام؟ لننتظر ما ستجود به علينا النسخة الثانية من "غرامات" وغرائب !
