محمد بودن
مما لا شك فيه أن الزيارة الاخيرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس الى دولة مالي كانت بصفات دستورية ومن بينها صفة أمير المؤمنين التي كانت حاضرة بكثافة في الأنشطة الدينية المكثفة من بينها الخطاب الملكي الذي حمل رسائل قوية وصريحة وكان من بينها رسالة مفادها إرادة الدولة المغربية في تأمين المجال الروحي لدولة مالي التي تريد أن تستلهم الدروس من الاستقرار والتسامح الديني في المغرب الذي يعد بلدا رائدا في إحقاق الأمن الروحي بفضل نظيمة إمارة المؤمنين التي تمتد من المغرب إلى دول إفريقا جنوب الصحراء وهو ما تبين في زيارة جلالة الملك لمالي عبر إستقباله لشيوخ الطرق التيجانية والقادرية الصوفية وأداء صلاة الجمعة في أكبر مساجد مالي وختم الصلاة وحضور أمير المؤمنين في خطبة الجمعة الملقاة باللغة العربية بشكل وافر وهذا له دلالة وحمولة مهمة علاوة على
تسليم الرئيس المالي المنتخب نسخة من المصحف المحمدي الشريف؛علاوة على توقيع إتفاقية ثنائية تهم تولي المملكة المغربية تكوين 500 إمام من دولة مالي؛وهذه مؤشرات تنم عن ثقة كبيرة لدولة مالي التي تريد أن تستفيد من التجربة المغربية في مجال الأمن الروحي وتبنيها وتحقق هذا الرصيد بفضل مكانة إمارة المؤمنين وطنيا وإقليميا وهذا لن يعفينا من معرفة موقعها كمؤسسة روحية مدسترةومتأصلةحيثأن التصور الإسلامي للعلاقة بين الحاكم والمحكوم وموقع الدين في بنيان هذه العلاقة يحيلنا على التأصيل التاريخي لهذه العلاقة وموقع الجانب الروحي والغيـبي فيها وهذا ما جسدته بشكل كبير «صحيفتا المدينة» (إحداهما أبرمت بين الرسول (ص) ويهود بين قينقاع والثانية بينه وبين نصارى (نجران) وهما أول دستور في تاريخ البشرية، فالصحيفتان تبينان ما على الحاكم وما على المواطن وتبينان أيضا حقوق المواطنين وواجبات المواطنة الحقة وهما تضمنان كثير مما يضمن في الدساتير الراقية ويختلف هذا التمايز بين البيعة الشرعية والبيعة المؤسسة.
وللقائلين بكون أن إمارة المؤمنين كمؤسسة مدسترة تعني توظيف الدين في السياسية، ففي اعتقادي بأنه لا يوجد بلد على وجه الأرض، بما يشمل البلدان العلمانية والليبرالية والتي تدعي الحياد الديني في الدستور؛ يفصل بشكل قاطع بين الدين والسياسية.
ولنأخذ مثلا النموذج الفرنسي الذي يعتمده الكثيرون للمطالبة بالقطع النهائي بين الدين والسياسة. ففرنسا أعلنت العلمانية في دستور 1958، لكن الواقع العملي ليس كما يتم تصوره حيثإنالواقع الذي يوظف الدين في السياسة يتجلى فيما يلي: إن ميزانية وموارد الكنيسة هي على شكل ضرائب تقتطعها الدولة من المواطنين وتدفعها رأسا إلى الكنيسة بناءا على قوانين كثيرة تؤطر ذلك، ناهيك عن مسألة الرهبنة التي تحرم العاملين في الكنائس من أبسط الحقوق التي تقدسها الدساتير المتقدمة (الحق في الزواج وفي تكوين أسرة...) ولايجرؤ أحد على انتقاد الظاهرة... وقوانين أخرى تمنع المساس ليس بالدين بل وبالكنائس وساكنيها مهما حصل منهم من تجاوز وانحراف، وفي
الولايات المتحدة الأمريكية يعد انتماء المشرح للرئاسيات إلى طائفة دينية مرجحة لكفتة في الفوز بمنصب الرئيس، وفي ألمانيا وسواها يشتغل الدين بشكل وثيق مع السياسية ويسمح بإنشاء أحزاب دينية (الحزب الديمقراطي المسيحي وهو الحزب الحاكم حاليا).
وفي الدول الإسكندنافية التي تعتبر قمة الديمقراطية تكرس دساتيرها الدين الرسمي للدولة وتلزم المواطنين بتنشئة أبنائهم بموجبه؛ فدستور مملكة الدنمارك ينص على أن الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي الكنيسية المعترف بها في الدانمارك، وعليه تتولى الدولة دعمها ؛وفي مملكة النرويج فالإنجيلية اللوثرية ستظل الدين الرسمي للدولة، ويلزم السكان المعتنقون لها بتنشئة أولادهم بموجبها، أما في إيسلندا فالكنيسية الإنجيلية اللوثرية هي كنيسة الدولة، وستظل هذه الكنيسة مدعومة ومحمية من قبل الدولة، وفي إنجلترا تقر النظم الأساسية أي الدستور العرفي أن كنيسة إنجلترا هي الكنيسة المعترف بها وأن العاهل الإنجليزي بحكم منصبه هو الحاكم الأعلى لكنيسة إنجلترا وهذه القاعدة تنطبق أيضا على البوذية في مملكة تايلاند والهندوسية في مملكة نيبال.
وبالتالي فتصورنا لإمارة المؤمنين والعلاقة بين الديني والسياسي يجب أن يكون مختلفة تماما عن تصورات الآخرين الذين نحاول أن نقتدي بهم مع علمنا بأننا لن نتقن إعمال تصوراتهم، وللمقارنة بين الثقافات يمكن استحضار وضع الراهب في الكنيسة المسيحية الذي يعتبر نفسه مازال في مرحلة تلقي الوحي إلى الآن وبالتالي كل ما يخطر له يعتبر وحيا لا يناقش ويمكن إدراك هذا من خلال تقديس البابا وكيف أن حركاته وإطلالته يتم تمثيلها من طرفه ومن طرف المعتنقون للديانة كإطلالة الإله.
وبالتالي فإنه حينما يحصل الشطط والاستبداد فهو يلبس لبوسا دينيا، لذلك اضطر الثوار إلى التمرد على الكنيسية وعلى الدين من أجل وقف الظلم الذي كان يمارس باسمها، والأمر بالنسبة للإسلام مختلف، فحتى لو أراد الحاكم أن يشتط باسم الدين لا يستطيع، لأن الأحكام محددة والألوهية لله وعهد الوحي انقضى.
وعليه فالمقارنة كبيرة لكن للأسف كثيرا ما يسقط نظام سياسي أو دستوري أو ثقافي على آخر، فمطلب الفصل بين الديني والسياسي كان سببه الاستبداد باسم الدين، أما الدين الإسلامي فهو وسيلة لكبح جماح الاستبداد، ويكفي الرجوع للأصول التي تدور حول منع الحاكم من الاستبداد، فالمبدأ الأساسي في الإسلام هو منع تقديس وتأليه أو عبادة أي إنسان.
كان لزاما توضيح هذه المفارقات المفصلية في النقاش الحاصل بشأن مؤسسة إمارة المؤمنين بحي ث أن الإسلام هو دين الدولة وممارسة باقي الشعائر الدينية يضمنها الملك والدولة.
ومن هذا المنطلق لابد من سلطة تتولى حماية الدين، ولا يمكن تصور سلطة أخرى للقيام بهذه الوظيفة غير الملك لكون العلاقة بين المواطن والملك تستند إلى رابطة البيعة وتستمد جذورها ومرتكزاتها من النظام الإسلامي ولا يعني ذلك المس بحرية من هو غير مسلم على ممارسة شعائره الدينية لكون هذه الحرية يضمنها دستور فاتح يوليوز في فصله الثالث، لذلك فإمارة المؤمنين تجنب المغرب مخاطر وخيمة بشأن هويته المدنية والمذهبية والاعتقادية.
إن تكريس السلطة الدينية للملك في دستور 2011 بكيفية أكثر وضوحا أعطت بعدا حقيقيا ومدلولا متميزا يعطي استئثار الملك بمجاله المحفوظ وسلطته الدينية بما يكفل سلطة التشريع في الحقل الديني وهو طرح منطقي وسليم في دولة إسلامية وبالرغم من ذلك لا نصل إلى مدى دول عريقة سلف ذكرها في جمع ملوكها بين السلط الدينية والدنيوية وهذا ما جنب المغرب الكثير من الهجومات الروحية والمنزلقات المذهبية حتى أضحت إمارة المؤمنين في المغرب عابرة لحدود السيادة منتهجة سياسة روحية معقلنة؛تنموية ؛تضامنية ونفسية.
